اقتصاد

عالم السياسة الأمريكي روبرت بيب: إيران تتصاعد لتصبح مركزًا رابعًا للقوة العالمية إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا

عالم السياسة الأمريكي روبرت بيب: إيران تتصاعد لتصبح مركزًا رابعًا للقوة العالمية إلى جانب الولايات المتحدة والصين وروسيا

يؤكد روبرت بيب أن إيران تكتسب نفوذًا عالميًا متزايدًا عبر سيطرتها على مضيق هرمز، مما يجعلها مركز قوة عالمي رابعًا إلى جانب أمريكا، الصين، وروسيا، ويشير إلى أن تحكم إيران بهذا الطريق الحيوي للطاقة يؤثر على السوق العالمية ويغير موازين القوة.

واشنطن (QNN)- قال الباحث الأمريكي في العلوم السياسية روبرت بيب، أستاذ جامعة شيكاغو، إن إيران تبرز بسرعة لتصبح مركزًا رابعًا للقوة العالمية إلى جانب الولايات المتحدة، الصين، وروسيا.

في تحليل تناولته العديد من الصحف ونشر في صحيفة نيويورك تايمز في وقت سابق من الشهر الجاري ثم أعيد تداوله على نطاق واسع، يتحدى بيب الافتراضات الطويلة الأمد حول النظام العالمي. ويؤكد أن القوة لم تعد تعتمد فقط على الحجم الاقتصادي أو القوة العسكرية، بل إن السيطرة على طرق الطاقة الاستراتيجية تشكل الآن النفوذ العالمي.

يقول بيب إن قوة إيران المتزايدة تنبع من سيطرتها على مضيق هرمز، وهو أحد أهم نقاط اختناق الطاقة في العالم.

يمر من هذا الممر الضيق نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال العالمي. ولا توجد بدائل عملية على المدى القصير، مما يمنح إيران نفوذًا كبيرًا على أسواق الطاقة العالمية.

ووفقًا لبيب، أدى الهجوم المشترك الأمريكي-الإسرائيلي على إيران إلى تحول في الوضع. وردت إيران بفرض “حصار عسكري انتقائي” على المضيق. تم رفع الحصار بعد وقف إطلاق النار، لكن أعيد فرضه بعد رفض الولايات المتحدة تنفيذ جزءها من الاتفاق.

على عكس الإغلاق الكامل، لا تحتاج إيران إلى إيقاف كل حركة المرور، بل تخلق مخاطر كافية لتعطيل سلاسل التوريد العالمية. انخفضت حركة الناقلات بأكثر من 90 بالمئة منذ اندلاع الحرب، ولم يكن الانخفاض بسبب هجمات مستمرة بل بسبب تهديدات موثوقة دفعت شركات التأمين للسحب أو رفع تغطية مخاطر الحرب بشكل كبير.

يرى بيب أن التفكير العسكري التقليدي يخطئ في تقييم الوضع، حيث توقع العديد من المحللين أن تعيد القوات البحرية الأمريكية حركة الشحن إلى طبيعتها، لكنه وصف هذا الافتراض بأنه خاطئ.

إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق فعليًا. الهجمات أو التهديدات العرضية تكفي لجعل الشحن محفوفًا بالمخاطر، مما يضغط على الأسواق العالمية دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مستمرة.

تعتمد الاقتصادات الحديثة ليس فقط على إمدادات الطاقة، بل على ضمان موثوقية التسليم. وعندما تنهار هذه الموثوقية، ترتفع تكاليف التأمين، وتزداد أسعار الشحن، وتعامل الحكومات الوصول إلى الطاقة كمسألة استراتيجية وليس سوقية.

يسلط بيب الضوء على عدم تماثل رئيسي: يجب على الولايات المتحدة حماية كل شحنة نفط تعبر المضيق، مما يستلزم تواجدًا عسكريًا مستمرًا، بينما تحتاج إيران فقط إلى استهداف سفينة واحدة بين الحين والآخر لتقويض الثقة بالنظام.

عزز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا الرأي، قائلاً إن إعادة فتح المضيق بالقوة أمر “غير واقعي”، وشدد على أن الاستقرار يتطلب تنسيقًا مع إيران. وتعكس تصريحاته اعترافًا دوليًا متزايدًا بنفوذ إيران.

على مدى عقود، اتبع الخليج صيغة مستقرة: الدول المصدرة للنفط، الأسواق تحدد الأسعار، والولايات المتحدة تؤمن طرق الشحن. وهذا النظام يتفكك الآن.

تؤثر ارتفاع تكاليف التأمين ومخاطر الشحن على اقتصادات الخليج. وتتكيف الحكومات مع طرق تصدير جديدة وتعيد التفاوض على العقود. وإذا استمر عدم الاستقرار، قد تتحول دول المنطقة نحو التعايش مع إيران التي تملك النفوذ المباشر على موثوقية التصدير.

ويمتد التأثير إلى ما وراء المنطقة. تعتمد الاقتصادات الآسيوية الكبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند بشكل كبير على طاقة الخليج. كما تعتمد الصين على المنطقة رغم تنوع مصادرها.

قد تؤدي الاضطرابات المستمرة إلى عواقب اقتصادية عالمية، منها ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة التضخم، وتدهور موازنات التجارة، وضعف العملات، مع تفضيل الحكومات الأمن الطاقي على المرونة الدبلوماسية.

يرى بيب أن إيران والصين وروسيا تشترك في دوافع بنيوية تتحدى الاستقرار بقيادة الولايات المتحدة. فهؤلاء لا يحتاجون إلى تحالف رسمي، فمصالحهم تتقاطع بشكل طبيعي وتعيد تشكيل النظام العالمي.

يطرح سيناريو محتملًا يسيطر فيه إيران على نحو 20 بالمئة من تدفقات النفط العالمية، وتسيطر روسيا على حوالي 11 بالمئة، وتمتص الصين جزءًا كبيرًا من هذه الإمدادات، ما قد يقلص وصول الغرب إلى الطاقة ويسرع تحول القوة العالمية.

يختم بيب بالتأكيد أن الولايات المتحدة تواجه معضلة استراتيجية: إما محاولة استعادة السيطرة على مضيق هرمز عبر التزام عسكري طويل الأمد، أو قبول نظام طاقة جديد تنخفض فيه هيمنتها.

كلا الخيارين ينطويان على مخاطر، فالنظر في الخيار العسكري قد يؤدي إلى صراع طويل الأمد بنتائج غير مؤكدة، أما القبول فسيعزز موقع إيران كقوة عالمية رابعة.

يصف بيب الصراع الحالي بأنه تحولي، ويحذر من أن استمرار هذه الديناميكيات لسنوات قد يغير النظام العالمي بطرق يصعب عكسها.