قام منشور مضلل نشره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالكشف عن ما هو أكثر من مجرد معلومات خاطئة؛ فقد كشف عن جهود إسرائيلية للتأثير على البيئة الرقمية التي تتقاطع فيها الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي والرسائل السياسية لتشكيل سرديات عالمية مبنية على معلومات مضللة.
بدأت الجدل عندما أعاد ترامب نشر منشور من إيتال ياوبي، شخصية إسرائيلية معروفة بنشر محتوى مضلل وزائف. تضمن المنشور صوراً لثماني نساء وادعى أنهن سجنا إيرانيات على وشك الإعدام. حضّ ترامب السلطات الإيرانية علناً على إطلاق سراحهن، مقدماً الادعاء كمناشدة إنسانية.
لكن السردية انهارت سريعاً تحت التدقيق.
كان ناشطون معارضون إيرانيون في الخارج من أوائل من ردوا. رفضوا الادعاء وقدموا أدلة تناقضه. بحسب شخصيات المعارضة، فقد كانت إحدى النساء على الأقل – الدكتورة غولنارش نراغي – حرة منذ عدة أشهر. كما أثار آخرون شكوكاً حول صحة الصور والهوية المقدمة.
أصدرت السلطة القضائية الإيرانية لاحقاً بياناً رسمياً تنفي فيه هذه الادعاءات. وأكدت أن أياً من النساء لا يواجه إعداما. بعضهن أُطلق سراحهن بالفعل، في حين أن أخريات يتعاملن مع تهم قانونية قد تؤدي إلى السجن إذا ثبتت في المحكمة. أشارت السلطة القضائية أيضاً إلى نمط من التقارير الملفقة، بما في ذلك ادعاءات سابقة كاذبة عن أفراد زُعم أنهم حُكم عليهم بالإعدام ووجدوا لاحقاً أحراراً.
هذا التقاء نادر بين نفي الدولة ورد المعارضة أثار قلقاً أعمق. إذا اتفق الطرفان على زيف القصة، فمن أين جاء مصدرها وقصص مماثلة أخرى؟
سردية مصطنعة
قد يكمن الجواب في استراتيجية تأثير منسقة أوسع تستغل تقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة.
مبادرة إسرائيلية تعرف باسم “الذكاء الاصطناعي التوليدي من أجل الخير” حظيت باهتمام متزايد في هذا السياق. حتى إن لم تكن وراء قصة النساء الثماني مباشرة، فُمرت المنظمة بأشكال أكثر إثارة للقلق من المعلومات المضللة. تقدم نفسها كمنصة تستخدم الذكاء الاصطناعي لدفع التأثير الاجتماعي الإيجابي، إلا أن أساليبها تشير إلى دور أكثر تعقيداً في تشكيل السرديات السياسية.
تنتج المجموعة محتوى فيديو عاطفيًا يعتمد على شخصيات مُنشأة بالذكاء الاصطناعي تُعرض كأفراد حقيقيين. تقدم هذه الشخصيات الرقمية شهادات حول مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان بما يتوافق مع سرديات مؤيدة لإسرائيل. لا يمكن التحقق من هذه الشهادات بشكل مستقل. كثير من الفيديوهات تمزج بين لقطات حقيقية وعناصر صناعية، لتخلق سرداً هجيناً يهدف إلى الظهور بمصداقية وخداع الجمهور بسهولة. والأهم، أن العديد من هذه الشهادات تفتقر إلى أدلة يمكن التحقق منها بشكل مستقل.
في مقابلة مع Ynet، قالت مؤسسة المنظمة، شيران ملمادوفسكي سوميش، بفخر: “لقد اختبرنا كيف يمكن استخدام التكنولوجيا لخلق التعاطف وإثارة العاطفة لدى جماهير واسعة وتحقيق استجابة فيروسية واسعة النطاق”.
تسمح هذه التقنية للمحتوى بالظهور بمصداقية مع بقاء صعوبة تتبع المصدر. تعتمد على التفاعل العاطفي أكثر من الشفافية الواقعية، مما يزيد من احتمال انتشاره على المنصات.
داخل الشبكة
توضح القيادة وراء المبادرة المزيد عن اتجاهها الاستراتيجي.
ناقشت المؤسسة شيران ملمادوفسكي سوميش بوضوح قوة الذكاء الاصطناعي في التأثير على التصورات العامة. في مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية، أكدت قدرة التكنولوجيا على “توليد العاطفة” وخلق تفاعل واسع النطاق. وصفت هذه الجهود كجزء من صراع أوسع من أجل السرديات العالمية.
قالت في مقال رأي بالعبرية: “من يتحكم بالماضي يتحكم بالمستقبل؛ ومن يتحكم بالحاضر يتحكم بالماضي” مستشهدة بجورج أورويل، مضيفة “ماذا لو كان بإمكان التاريخ أن يُعاد كتابته بزر واحد؟ ماذا لو حدث أي تغيير لأي حدث أو حقيقة أو شخصية تاريخية في لحظة؟”
أكدت أن التكنولوجيا “إذا استُخدمت بحكمة” يمكنها “مكافحة التضليل والتحريض ضد إسرائيل”، وخلق “سرديات إيجابية”، وزيادة “مراقبة المحتوى العدائي الموزع على وسائل التواصل الاجتماعي”، مضيفة أن “إسرائيل تتمتع بفرصة لا تنجو فحسب، بل تقود استخدام التقنيات المتقدمة لتشكيل السرديات الإيجابية وحماية مستقبلها”.
يضم الفريق أعضاء لهم خلفيات مشابهة. نوا روزنبرغ، مسؤولة تسويق كبيرة في المنظمة، خدمت سابقاً في وحدة نفسية تقنية ضمن الجيش الإسرائيلي، بحسب ملفها على لينكدإن. عضو آخر، تال هاراري، تعمل مخرجة إبداعية وراوية قصص، وتصف عملها بأنه “تحويل القصص الإنسانية إلى أفعال” وصنع سرديات “تحرك الناس” عند تقاطع سرد القصص والتغيير الاجتماعي وابتكار الذكاء الاصطناعي.
تركيزها على السرد العاطفي يثير تساؤلات حول كيفية بناء هذه السرديات وتقديمها، خصوصاً عندما تظهر كشهادات شخصية لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل. الفريق الأوسع يتألف في الغالب من محترفين إسرائيليين مدربين في التحليل والمالية والاتصالات الاستراتيجية، مجالات مرتبطة عادةً بحملات التأثير والمعلومات.
من الابتكار إلى التأثير
تعزز بيانات المنظمة البعد الاستراتيجي لعملها.
في مواد منشورة، تجادل القيادة بأن الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامه ل”تشكيل سرديات إيجابية” وتعزيز الأمن الوطني. تصور التضليل ليس كتهديد بل كساحة تنافس نشطة بين الدول.
يتوافق ذلك مع مفهوم الحروب المعرفية المتنامية، حيث يصبح التأثير على التصور مهماً مثل السيطرة على الأرض.
ومن اللافت أن أحد مشاريع المجموعة نوقش في محادثات حلف الناتو حول الحروب المعرفية ووُصف بأنه “ديب فيك جيد”. وقد أثار هذا الوصف قلق المحللين، الذين يحذرون من أن تبرير أي نوع من الديب فيك، لا سيما في الساحة الدبلوماسية الدولية، قد يؤدي إلى تطبيع التكنولوجيا ككل.
بمجرد أن يقبل الجمهور المحتوى المُعدّل في سياق واحد، يصبح التمييز بين الحقيقة والتزوير أمراً أصعب بكثير.