في غزة، لم يعد البرد مجرد معاناة موسمية، بل تحوّل إلى خطر مميت يتسلل إلى الخيام، ويستقر في عظام العائلات المُهجرة، ويودي بحياة رضع لم يُتح لهم حماية أنفسهم. وبحسب وزارة الصحة، فقد استشهد سبعة رضع على الأقل هذا الشتاء نتيجة التعرض للبرد، فيما يبقى الآلاف في خيام بلا تدفئة أو عزل أو غذاء كافٍ. ويحذر الأطباء من أن الرقم الحقيقي قد يكون أكبر.
يقول الأهالي والأطباء والسلطات إن هذه الوفيات لا تعود لأمراض نادرة أو مضاعفات صحية لا مفر منها، بل إلى التهجير والفقر والجوع والعيش في خيام لا تقي من الرياح والمطر والبرد القارس.
في قلب هذه المأساة أحمد طُطَة، الذي فقد طفلين في عامين متتاليين بسبب البرد. يسرد شهادته المؤلمة إلى جانب تصريحات وزارة الصحة في غزة وأطباء حديثي الولادة في مستشفى ناصر، مما يعكس هشاشة فرص النجاة للأطفال الأضعف.
قال أحمد طُطَة لشبكة قدس إن معاناته بدأت قبل وفاة طفليه بفترة طويلة. فبعد تسعة أشهر من الحرب الإسرائيلية، نزح قسريًا من شمال غزة إلى جنوبها، مرورًا برفح ثم إلى منطقة المواصي في خان يونس قرب البحر.
في البداية، لم تكن هناك خيمة. قال: “عشت أسبوعًا تحت ثلاث قطع خشب وبلاستيك. جمعت شرائط قماش حتى صنعت بها ستائر، ومنها صُنعت الخيمة”.
تلك الخيمة الهشة أصبحت مسكنًا للعائلة لأكثر من عام. ومع موجة تهجير ثانية، نزح مجددًا مع زوجته وابنه إبراهيم وابنته الرضيعة مسك، توأم محمد الذي استشهد سابقًا بسبب البرد.
عاشت الأسرة شهرًا على شاطئ البحر، تبللت خلالها الخيمة بالرطوبة، وتعرضوا لرياح البحر الباردة. ثم انتقلوا إلى خان يونس حاملين أطفالهم وما تبقى من خيمتهم.
استشهد محمد في ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٤، وكان عمره شهرين فقط. قال أحمد إن الأطباء أخبروه أن السبب هو التعرض للبرد. كانت الأسرة تقيم في خيمة من الستائر بمنطقة المواصي، دون تدفئة أو عزل. عانى محمد قبل وفاته من قيء وإسهال، وتم نقله لمستشفى ناصر، وبقي هناك ثلاثة أيام لكنه لم ينجُ.
قال أحمد: “كان صغيرًا جدًا… والبرد لم يفارقنا”.
بقيت الأسرة في نفس الظروف، إذ لم يكن هناك مكان آخر للذهاب إليه.
بعد عام، واجه أحمد المأساة مجددًا بخسارته ابنته رِضا، ذات الشهرين، خلال موجة برد شديدة. قال: “لم يكن بها شيء. كانت ترضع وتبكي بصورة طبيعية”.
توفيت رِضا بسبب توقف القلب والتنفس. قال: “نامت في حضني طول الليل، كنت أعلم أنها ماتت، لكن لم أتحمل أن أتركها. شعرت أن جزءًا مني مات معها. فقدان طفل لا يُحتمل، واثنين في عامين… لا أستطيع تفسيره”.
أنهى شهادته بنداء إنساني: “نحن فقط نرغب في الحياة كأي عائلة في العالم. لا نطلب شيئًا خاصًا، فقط نريد أن نعيش”.
ما حدث لأطفال أحمد يتكرر في مستشفيات غزة. قال د. حاتم ضهير، رئيس وحدة الخداج بمستشفى ناصر، إن معظم الأطفال الذين يموتون فجأة من البرد هم خُدّج أو أوزانهم أقل من ٢.٥ كجم، وأجسامهم هشة للغاية. انخفاض بسيط في الحرارة يؤدي لمضاعفات خطيرة، أهمها نزيف في الدماغ والرئتين، وتباطؤ ضربات القلب حتى يتوقف الجسم عن الاستجابة.
كثير من هذه الوفيات وقعت بعد خروج الرضع من الحاضنات، حيث عادوا إلى بيئة غير مناسبة ولا دافئة، وتحديدًا الخيام المعرضة لرياح البحر. أشار إلى حالة رضيعة خرجت بوزن ١.٨ كجم بعد شهر في الحضانة، لكنها عادت ميتة بعد أسبوعين بسبب البرد.
أوضح الدكتور: “كل وفاة من هؤلاء ليست رقمًا، بل حياة صغيرة تمسكت بها عائلة بالأمل. لا يجب أن يُترك طفل في مواجهة هذا الواقع”.
وأكد زاهر الوحيدي، مدير قسم المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، أن سبعة أطفال على الأقل استشهدوا هذا الموسم نتيجة البرد القارس، ومعظمهم من الخدّج أو أصحاب الأوزان المنخفضة. يفقد الأطفال الحرارة بسرعة، وفي المخيمات المكتظة يصعب السيطرة على ذلك. “الرياح تخترق الخيام، والمطر يبللها، والأطفال بلا حماية كافية”.
الاتصال الجسدي مع الأم قد يساعد، لكنه ليس كافيًا بسبب سوء التغذية المزمن الذي زاد من حالات الولادة المبكرة والإجهاض. لم تُسجل حالات وفاة من البرد بين البالغين خلال الفترة ذاتها، إذ أن الضحايا جميعهم من الرضع.
عند درجة ٤ مئوية تبدأ العمليات البيولوجية في التباطؤ، ويؤدي التعرض الطويل للبرد إلى انخفاض الحرارة وفشل الأعضاء والوفاة، خاصة عند الرضع الذين لا يمكنهم الرجف أو ضبط حرارة أجسامهم. الرضع يعتمدون كليًا على من يرعاهم، وهم بدورهم يعانون من البرد وسوء التغذية والإرهاق.
هذه الوفيات يمكن منعها. لا يمكن لخيمة من قماش أن تُغني عن منزل، ولا حضانة طبية أن تحمي طفلًا إذا عاد إلى ظروف متجمدة. ما ينقص هو المأوى والدفء والطعام والأمان.
التجمد حتى الموت ليس دراميًا. بالنسبة للأطفال، هو صامت. أما بالنسبة لأحمد طُطَة، فهي خسارة دائمة. قال: “أريد فقط أن يرى العالم أطفالي. ولا أريد لأي أب أن يحتضن طفلًا طوال الليل، وهو لا يعلم أنه قد فارق الحياة”.