في غزة، أصبح الشتاء قاتلاً. رياح باردة تتسلل إلى الخيام الهشة وتخترق العظام، لتخطف بصمت أرواح الأضعف. الرضع، غير القادرين على حماية أنفسهم، هم الأكثر تضرراً.
وذكرت وزارة الصحة أن سبعة رضع على الأقل قد استشهدوا حتى الآن هذا الموسم بسبب البرد. ولا يزال الآلاف عالقين في خيام دون تدفئة أو غذاء كافٍ.
وفاة الأطفال في غزة هي نتيجة مباشرة للنزوح، الفقر، الجوع، والملاجئ المؤقتة؛ وكلها ناتجة عن الحصار الإسرائيلي المستمر.
هكذا يشعر الرضيع عندما يموت من شدة البرد.
المرحلة الأولى: المعركة الأخيرة للجسد
عند الإحساس الأول بالبرد، يبدأ الجسم في المقاومة. يبدأ الارتعاش. تنقبض الأوعية الدموية في اليدين والقدمين لحماية الأعضاء الحيوية. يصبح التحرك صعباً والتنسيق يفشل.
بالنسبة للرضع، خاصة حديثي الولادة، فهذه المرحلة قصيرة جداً. تُظهر الأبحاث الطبية أن الرضع يفقدون الحرارة بسرعة أكبر بسبب تركيب أجسامهم وبشرتهم الرقيقة وعدم قدرتهم على تنظيم الحرارة. وفي خيام غزة، حيث يتسرب الهواء البارد والرطوبة بسهولة، يمكن أن تنقضي هذه المرحلة سريعاً.
حتى انخفاض درجة الحرارة الطفيف يسبب الخَدَر والتشوش. وفي خيمة مكشوفة على رياح البحر، مبللة وباردة، يمكن أن تستغرق هذه المرحلة دقائق فقط للطفل الضعيف.
المرحلة الثانية: فشل إنتاج الحرارة
مع استمرار انخفاض حرارة الجسم الأساسية، تبدأ دفاعات الجسد بالانهيار. يضعف الارتعاش وقد يتوقف تماماً، مما يدل على أن الجسم لم يعد قادراً على إنتاج الحرارة. ينخفض معدل ضربات القلب والتنفس. ويصبح الوعي مضطرباً.
وفي حديثه مع شبكة QNN، أوضح د. حاتم ضهير، رئيس وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفى ناصر، سبب ضعف مقاومة الرضع في هذه المرحلة.
وقال: “معظم الأطفال الذين يُستشهدون فجأة من البرد هم من الخدّج أو ممن تقل أوزانهم عن 2.5 كغم. أجسادهم شديدة الهشاشة، وأي انخفاض في درجة الحرارة يمكن أن يؤدي إلى نتائج كارثية.”
وأشار إلى أنه عندما تنخفض حرارة جسم الرضيع إلى أقل من 33 درجة مئوية، يصبح البقاء مستحيلاً.
وأوضح: “في هذا المستوى، تؤدي انخفاض حرارة الجسم إلى نزيف في الدماغ وأحياناً الرئتين، كما يحدث هبوط حاد في نبض القلب، وخلال ساعات يتوقف الجسم عن الاستجابة، حتى للأجهزة التنفسية.”
المرحلة الثالثة: فشل الأعضاء والموت
مع استمرار انخفاض حرارة الجسم، تبدأ الأعضاء الحيوية بالفشل. وتُظهر الأدبيات الطبية أنه في درجات الانخفاض الشديد، يصبح نبض القلب غير منتظم، ويتباطأ التنفس بشكل خطير، وينخفض نشاط الدماغ. ومع غياب التدخل، يحل الموت.
العديد من الأطفال الذين استشهدوا خرجوا مؤخراً من حاضنات العناية المركزة. وبحسب الدكتور ضهير، غادروا المستشفى بحالة مستقرة نسبياً لكنهم عادوا إلى بيئات غير قادرة على تأمين الدفء.
قال: “غادروا المستشفى بحالة جيدة نسبياً، لكن تم إعادتهم إلى خيام مكشوفة لرياح البحر. للأسف استشهدوا بعد ذلك بوقت قصير.”
واستذكر حالة رضيعة مبتسرة بقيت شهراً في الحاضنة وبلغ وزنها عند الخروج 1.8 كغم. وبعد أسبوعين، أعيدت إلى المستشفى وقد استشهدت من شدة البرد.
قال الدكتور: “كل حالة استشهاد من هؤلاء ليست مجرد رقم. إنهم أرواح صغيرة لعائلات تتمسك بالأمل. عندما يعود هؤلاء الأطفال إلى الخيام، فإنهم يواجهون صراعاً لا يجب أن يعيشه أي رضيع.”
الأطفال الأكثر عرضة للخطر
بحسب زاهر الوحيدي، مدير دائرة المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، استشهد سبعة أطفال على الأقل نتيجة البرد الشديد هذا الموسم.
قال الوحيدي لـ QNN: “الأطفال هم الأكثر عرضة للاستشهاد بسبب البرد، خصوصاً الخدّج أو منخفضي الوزن.”
ويشير الأطباء إلى أن حديثي الولادة يفقدون الحرارة أسرع من البالغين. وفي بيئات مستقرة، يمكن التحكم بهذا الخطر من خلال التدفئة والغذاء والرعاية الصحية. أما في مخيمات النزوح في غزة وتحت الحصار الإسرائيلي، فهذه الوسائل منعدمة.
أوضح الوحيدي أن “معظم السكان يعيشون في خيام، والرياح تمر من خلالها، والمطر يبللها، ويتم ترك الأطفال الصغار دون حماية تُذكر.”
وقد يساعد التلامس الجسدي بين الأم والطفل في تقليل فقدان الحرارة، لكن مسؤولي الصحة يقولون إنه غالباً لا يكفي. فالنقص المزمن في الغذاء أضعف صحة الأمهات، وزاد من معدلات الولادة المبكرة، وجعل المواليد أكثر هشاشة.
وأشار الوحيدي إلى أنه لم تُسجل أي حالات استشهاد بين الكبار بسبب البرد خلال هذه الفترة. وكانت كل الضحايا من الأطفال الرضع.