غزة

معاناة الفلسطينيين على معبر رفح تحت سيطرة إسرائيل مع استمرار الأزمة الإنسانية في غزة

معاناة الفلسطينيين على معبر رفح تحت سيطرة إسرائيل مع استمرار الأزمة الإنسانية في غزة

يعتبر معبر رفح الرابط الوحيد لغزة مع العالم الخارجي، حيث سيطرت القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني ودمرت المباني خلال 2024. أعادت إسرائيل فتح المعبر جزئيًا مع قيود مشددة، فيما أبلغ العائدون عن مضايقات وتفتيش قاسي وآثار دمار واسعة في رفح.

لطالما كان معبر رفح مع مصر الرابط الوحيد للفلسطينيين في غزة مع الخارج، حيث يشكل شريان حياة حيوي للقطاع. احتلت القوات الإسرائيلية الجانب الفلسطيني من المعبر خلال المجازر في مايو 2024، ودمرت مبانيه، ومنعت السفر، ما تسبب بأزمة إنسانية حادة، خصوصًا للمرضى. ونشرت جنودها في منطقة عسكرية عبر ممر فيلادلفي حيث لا يزالون متواجدين إلى اليوم.

المرحلة الأولى من خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة التي اشتملت على 20 نقطة وبدأت في أكتوبر 2025 دعت إسرائيل للسماح بدخول المساعدات الإنسانية وفتح معبر رفح في كلا الاتجاهين. إلا أن إسرائيل أعادت فتح المعبر فقط في فبراير وسط إغلاقات متكررة بلا مبرر، وصول محدود جدًا، وقيود صارمة ورقابة مشددة.

أُبلغ العائدون إلى غزة عبر معبر رفح عن مضايقات وضربات ممنهجة، مؤكدين أن القوات الإسرائيلية أخبرتهم بأن يغادروا غزة مع عائلاتهم ولا يعودوا. ووصف العائدون رحلة العودة بأنها طويلة ومرهقة، مليئة بالخوف وعدم اليقين.

سناء داوود، امرأة مسنة سافرت مع حفيدها إلى مصر لتلقي علاج طبي بعد إصابتها في قصف إسرائيلي خلال المجازر في مخيم المغازي وسط غزة. ياسمين محمد، فتاة 22 عامًا، فرّت مع عائلتها إلى مصر خلال المجازر. وأكد الاثنان أن العودة تضمنت المرور عبر ثلاث نقاط تفتيش مختلفة.

الأولى كانت على الجانب المصري حيث حثّت السلطات المسافرين على البقاء في غزة ورفض محاولات التهجير القسري، وجرى تفتيش الحقائب وختم الجوازات، ومن ثم السماح لهم بالعودة إلى غزة. النقطة الثانية داخل معبر كرم أبو سالم، أدارها موظفو الاتحاد الأوروبي إلى جانب عناصر أمن فلسطينيين من جهة مرتبطة بالسلطة الفلسطينية، حيث قام الفلسطينيون بالتفتيش بينما راقب الأوروبيون، ووجهوا تحذيرات للمسافرين وأمنوا لهم رحلة آمنة.

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي صورة تظهر مدخل هذا المعبر بعد عامين من المجازر: ممر ضيق محاط بأسوار معدنية طويلة تعلوها أسلاك شائكة، وباب معدني كبير مغلق في النهاية يعيق المرور، في طريق أشبه بالقفص المفتوح. وأدان الفلسطينيون هذا الحصار وسمّوه “بوابة لسجن مفتوح”.

وصف العائدون هذه المرحلة بـ”المهينة” حيث جرت مراقبة وفحص دقيق لكل مسافر بشكل فردي، وفتح بوابة واحدة للعبور بناءً على التحقق من الهوية بواسطة ضابط إسرائيلي خلف نظام التعريف.

وأثناء الانتقال للنقطة الثالثة، رافقت مركبات عسكرية إسرائيلية الحافلات التي تقل العائدين. النقطة الثالثة التي أطلق عليها العائدون اسم “الجحيم”، كانت تحت إدارة القوات الإسرائيلية وعناصر ميليشيات مدعومة من إسرائيل. وخضعوا لتفتيش على أيدي الميليشيات المسلحة أمام مراقبة الجنود الإسرائيليين.

صودرت جوازات السفر والهواتف والأجهزة الإلكترونية وسلمت للإسرائيليين، بينما تركت أمتعتهم خارج الموقع. وأُدخلوا إلى مبنى مؤقت ملفوف بالصفيح الشفاف ومفتوح من الأعلى. شهدت سناء تعنيفًا من جندية إسرائيلية مضت بإهانة ووضعت يدها على أجزاء خاصة منها لتخويفها، بينما جرى اقتياد امرأة أخرى معصوبة العينين ومكبلة اليدين للاستجواب، وصاحت مرارًا بأنها لا تنتمي لأي جهة مقاومة.

قالت المرأة إن الإسرائيليين وعناصر الميليشيات أوصوها بنقل رسالة إلى الفلسطينيين في غزة بترك القطاع، محذرين من أن غزة لن تبقى خلال سنوات قليلة، مؤكدين “غزة لنا وسنستولي عليها”.

وأكدت ياسمين أن هذه اللحظات كانت مرعبة، وعلقت أن رجلاً واحدًا فقط من مجموعتهم نُقل للاستجواب، بينما عوقبت امرأة أخرى لحملها جواز زوجها المصري صادر عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وسلم إلى الجانب الفلسطيني في مصر. كما سمعت رجلاً يعرض عليه الإسرائيليون منزلًا وراتبًا خارج غزة مقابل أن يعمل مخبرًا.

وأخذت القوات الإسرائيلية أغلب أمتعة المسافرين، وسمحوا فقط بحمل هاتف محمول لكل شخص. وقالت ياسمين إنهم حتى صادروا كريم وجهها وساعة يد والدتها بحجة استفزاز الفلسطينيين، وأن سناء تعرض هاتفها للكسر الكامل.

كانت تلك النقطة الأخيرة في مدينة رفح جنوب غزة.

عبرت ياسمين، من سكان رفح، عن حزنها وصدمة لرؤية مدينتها مدمرة بالكامل. وعلى الطريق إلى خان يونس شمال رفح، رأت دمارًا واسعًا، في بعض المناطق لم يتبقَ سوى الأنقاض وفي مناطق أخرى رمال فقط. أما في مناطق أخرى فكان هناك منزل واحد بلا جدران بالكاد قائم.

تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية منذ غزو مايو 2024، يعيش رفح التي كان يقيم فيها حوالي 275,000 نسمة مدمرة بالكامل تقريبًا. تسيطر إسرائيل على ممر موراغ شمال رفح، ما يسمح لها بعزل المدينة واحتلالها.

عرفت ياسمين حيها في منطقة خربة العدس، مؤكدة أن المنطقة كلها قد سويت بالأرض مع انعدام الأشجار والمنازل والفيلات، ولم يبقَ حتى بئر الماء التي حفروا أمام بيتهم. وتذكرت شجرة اليوسفي في بستانهم وقالت: “ما زلت أراها وأشم رائحتها”.

ووفقًا للعائدين، تعرضوا خلال التحقيقات لضغوط نفسية وجسدية على مدى ساعات، منحوا وعودًا بالحياة الكريمة والخروج من غزة مقابل عدم العودة، لكنها كلها رُفضت، فتصاعد التهديد والإهانة، مع وعود بتهجير كامل السكان وامتلاك غزة بالكامل.

وأكدت السائحة صباح الركاب خلال استجوابها تعرضها لسلوك عدواني، حيث استخدم المحققون أسلوب التهديد والتعنيف، بما في ذلك رشها بالماء وهي ترتدي وشاحًا لحمايتها من البرد، وحرمانها من الدفء رغم مرضها. أما تغريد معروف فتم تجريدها من ملابسها واحتُجزت مكبلة وعيونها معصوبة ساعات طويلة، وتعرضت لاعتداءات خلال السؤال عن زوجها الذي يعمل في الشرطة المدنية التابعة لهيئة الحكومة القائمة، ونفى الوفاق المزعوم، وأكدت أنه رجل مدني يعتاش منها.

رُفضت كل المحاولات لتجنيدهم أو تشتيت رغبتهم في البقاء، وتم تهديد روتانا الركاب بفرق عائلتها، مع التأكيد على أن غزة ستصبح ملكًا لإسرائيل خلال سنوات قادمة.

وعبر معظمهم عن تمسكهم بأرضهم ورفضهم للغربة، مشيرين إلى أن الوطن كالنفس لا يعوض، وأن الحرية خارج الأرض غريبة لا تكتمل.

وأكّدوا أن المنفى عبء، وأن الاختيار دائمًا هو غزة مهما كانت الظروف، حتى ولو كانت تحت الاحتلال، لأنها الأصل والمنزل والذكرى.