“نحن لا نكافح فقط من أجل الأرض؛ نكافح من أجل الحق في الوجود، للعيش بكرامة كبشر.”
لا تزال النكبة عام 1948 فصلاً مؤلمًا في تاريخ الشعب الفلسطيني، تذكيرًا مأساويًا بتنفيذ إسرائيل الممنهج لاقتلاع شعب بأكمله من أرضه.
النكبة، كلمة عربية تعني “المأساة”، حين قامت القوات الصهيونية بطرد ما لا يقل عن 750,000 فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم، حيث حرزت 78 بالمئة من فلسطين التاريخية.
بين 1947 و1949، هاجموا مدن فلسطينية كبرى ودمروا نحو 530 قرية.
استشهد حوالي 15,000 فلسطيني في جرائم جماعية، منها عشرات المجازر. ففي 9 أبريل 1948، نفذت قوات صهيونية مجزرة شهيرة في قرية دير ياسين بغرب القدس، حيث قُتِل أكثر من 110 رجال ونساء وأطفال على يد ميليشيات إرجون وستيرن.
بالنسبة للفلسطينيين، لم تنتهِ النكبة؛ بل تطورت إلى شكل أكثر وحشية ودماراً.
حظيت QNN بشرف لقاء رجل فلسطيني مسن، علي أبو صيادة، الذي أجبر على الفرار من بلدته في النكبة، ويشهد اليوم على إبادة غزة الإسرائيلية.
النكبة: ذاكرة محفورة في الزمن
استذكر أبو صيادة، في أواخر الثمانينيات من عمره، يوم اقتلع الاحتلال الإسرائيلي عائلته من قريتهم: المغار.
قال “كنت فتى صغيراً”، لكنه لا يزال يحمل أثقال ذكرياته.
كانت النكبة فقدان أرضنا وبيوتنا ومستقبلنا. هربنا كغيرنا بلا شيء سوى الملابس التي على ظهورنا. ظنناها مأساة مؤقتة، لكن أخطأنا، إذ أقام الاحتلال بنا لاجئين في وطننا، و77 سنة بعد ذلك لا يزالون يحاولون محونا من الوجود.
ما يجسد شهادة علي ليس فقط حزنه الشخصي الكبير، بل وضوح نظره إلى استمرار النكبة.
قال: “لم نعد قط. عقودٌ من الاستيلاء على أرضنا، تدمير بيوتنا، ومنع شعبنا من العودة. والآن أرى تكرار ذلك في غزة. إنها النكبة ولكن أكثر سوءاً.”
غزة: نكبة جديدة وإبادة متجددة
وصف أبو صيادة الإبادة المستمرة في غزة بـ”مجزرة لم أر مثلها من قبل”، ويرى ما يحصل في غزة منذ 2023 أعمق ظلامًا مما شهد في النكبة.
قال: “في 1948 أجبرونا على الخروج من أراضينا، في غزة يريدون محونا بالكامل.”
هذه الحملة بدأت بهجوم 2008 الإسرائيلي على غزة، وتطورت إلى ما يصفه العديد من الحقوقيين بالإبادة الجماعية، مع عمليات متكررة أسفرت عن استشهاد آلاف الفلسطينيين، تدمير واسع العقار، وعقاب جماعي.
وفق وزارة الصحة الفلسطينية، استشهد أكثر من 72,700 فلسطيني منذ بداية الاعتداء، الغالبية من المدنيين.
قال بحزن: “لم أتوقع أن أعيش لأرى نكبة أخرى، لكن غزة تكرر نفس المأساة وبأسوأ منها. الحصار والقصف ونقص الاحتياجات الأساسية أسوأ مما مررنا به عام 48.”
وعلى الرغم من الأدلة الواضحة على جرائم حرب وإبادة ممنهجة، يبقى المجتمع الدولي متخاذلاً.
الولايات المتحدة، الحليف الأبرز لإسرائيل، تواصل تقديم الدعم العسكري والدبلوماسي لإسرائيل، بينما تتغاضى دول أخرى عن الأمر لصالح المصالح السياسية.
حرب إسرائيل على الوجود الفلسطيني والنبكــة التي لا تنتهي
يرى أبو صيادة الهجمات الإسرائيلية بأنه “ليست مجرد قتال على الأرض أو الدين؛ بل صراع وجود. حرب إسرائيل هدفها محونا من الخريطة وإنكار إنسانيتنا.”
تعبر كلماته عن شعور الكثير من الفلسطينيين الذين عايشوا حروباً واحتلالاً وتشريداً، إذ ليس الأرض وحدها التي تُنتزع بل حق الوجود ذاته.
يرى هدف الهجمات بوضوح: “يريدون أن نختفي، يُنسونا، يتحول الفلسطينيون إلى أشباح.”
الفلسطينيون في غزة والضفة والشتات يواجهون صراعًا مستمرًا للبقاء والكرامة والاعتراف. حُرموا حقهم في تقرير المصير والعودة إلى ديارهم.
تُظهر شهادة علي أبو صيادة أن النكبة عام 1948 لم تكن حدثًا وحيدًا، بل بداية تاريخ طويل من الاقتلاع والتشريد والمحاولة المستمرة لمحونا.
وتعتبر الإبادة المستمرة في غزة استمرارًا لهذا التاريخ، فصلًا أكثر شدّة ووحشية في نضال شعب لم يرتكب سوى وجوده.
حتى يعترف العالم بعمق حرب إسرائيل على الوجود الفلسطيني وينهي الاعتداءات، ستبقى النكبة مستمرة، متكررة، متواصلة وبلا رحمة.
وبصوتٍ مرتعش من ثقل الذكريات، سأل أبو صيادة: “كم من أرواحٍ يجب أن تُزهقْ حتى يرى العالم الحقيقة؟” حتى تُعترف هذه الحقيقة، ستبقى مأساة النكبة حاضرة، وغزة آخر فصولها الأليمة.
قال بهدوء: “نحن لا نكافح فقط من أجل الأرض، بل من أجل الحق في الوجود، لنعيش بكرامة كبشر. لا أعرف ما ينتظر غزة، لكن شعب فلسطين لن يستسلم أبداً، ولن يتوقف عن سرد قصته. النكبة قد أخذت بيوتنا لكنها لا يمكن أن تنتزع هويتنا.”
تذكّر شهادة أبو صيادة كيف تستمر حرب إسرائيل على الوجود الفلسطيني، مع كل جيل جديد يعاني تبعات حملة مستمرة من التطهير العرقي والاحتلال والإبادة.