أخبار

تحوّل المزاج الغربي تجاه إسرائيل .. قراءة في استطلاعات الرأي

تحوّل المزاج الغربي تجاه إسرائيل .. قراءة في استطلاعات الرأي

قراءة إحصائية في المسوحات الأميركية والبريطانية والأوروبية لعام 2026 حول إسرائيل والموقف منها

منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أواخر شباط 2026، وما تلاها من تصعيد ميداني وإنساني متواصل في غزة والضفة الغربية، تسجّل مراكز الاستطلاع الغربية الكبرى - بيو ريسيرش وغالوب بالولايات المتحدة، ويوغوف ببريطانيا وأوروبا الغربية - انقلاباًً متسارعاً في مزاج الرأي العام تجاه إسرائيل، لدرجة توصف بأنها غير مسبوقة في أدبيات هذه المؤسسات نفسها. والمفارقة الأبرز التي تكشفها هذه الأرقام ليست فقط حجم التراجع، بل سرعته؛ فنحن أمام انهيار في الشرعية الشعبية جرى خلال أشهر معدودة، وليس عبر تآكل تدريجي متوقع على مدى سنوات، ما يجعل هذه الموجة الإحصائية مادة أساسية لفهم أي إعادة تموضع سياسي غربي مقبلة تجاه إسرائيل.

من الجهة الأميركية، يكشف مسح بيو ريسيرش الذي أُجري بين 23 و29 آذار 2026 على عيّنة من 3507 بالغاً أميركياً عن تحوّل حاد بالمزاج العام:

 

المؤشر

آذار-2026

2025

نظرة سلبية عامة لإسرائيل

60%

53%

نظرة إيجابية عامة لإسرائيل

37%

نظرة سلبية جداً

28%

10٪ (قياساً بـ 2022)

ثقة بنتنياهو

27%

عدم ثقة بترامب لجهة إدارة العلاقة مع إسرائيل

55%

مستقر منذ آب 2025

نظرة إيجابية لإسرائيل بين الجمهوريين (عموماً)

58%

نظرة سلبية لإسرائيل بين جمهوريين 18 و49 سنة

57%

50%

نظرة إيجابية بين اليهود الأميركيين

64%

نظرة إيجابية بين الإنجيليين البيض

65%

نظرة إيجابية بين البروتستانت غير الإنجيليين البيض

39%

نظرة إيجابية بين الكاثوليك

35%

 

ما يستحق التوقف عنده في هذا الجدول هو انكسار التحالف التقليدي الذي طالما شكّل الحاضنة الأميركية الأكثر صلابة لإسرائيل؛ الجمهوريون. فبينما تبقى الأغلبية الجمهورية العامة (58%) على موقفها التاريخي المؤيد، فإن الشريحة العمرية الشابة داخل هذا الحزب بالذات - التي من المفترض أنها تحمل الموقف المحافظ نفسه لعقود مقبلة – حيث بدأت تنفصل عن الإجماع الحزبي. فالنظرة السلبية تجاه إسرائيل قفزت من 50% إلى 57% خلال عام واحد بين جمهوريين التي تتراوح أعمارهم بين 18 و49 سنة، وهذا ليس رقماً هامشياً، إنما مؤشر على أن الانقسام لم يعد حكراً على الخط الحزبي التقليدي (ديمقراطي/جمهوري) بل أصبح يمرّ من داخل الحزب الواحد، عبر خط الجيل. أما التفاوت الديني، فقد انخفضت نسبة التأييد لاسرائيل بين الإنجيليين البيض إلى 65%، و35% فقط لدى الكاثوليك – وهذا يؤكد أن الدعم الأميركي لإسرائيل تحوّل من موقف قومي عابر للطوائف إلى موقف مرتبط بشريحة دينية-إيديولوجية محددة (الإنجيليون تحديداً) أكثر منه إجماعاً وطنياً شاملاً، وهذا التحول البنيوي أخطر على إسرائيل من أي تراجع لحظي بنسب التأييد، لأنه يهدد الأساس التحالفي طويل الأمد الذي استندت إليه العلاقة الأميركية-الإسرائيلية لعقود.

أمّا مسح بيو الثاني، الأوسع الذي جرى في أيـار 2026، وشمل عيّنة من 12574 مستطلع بالغ، يظهر إن التراجع طال تحديداً صورة الإسرائيليين كشعب وليس الحكومة فقط، بينما بقيت نظرة الأميركيين للفلسطينيين مستقرة نسبياً، ما يشير إلى أن التحول لا يقتصر على السياسة الإسرائيلية الراهنة بل يمسّ الصورة الجمعية.

أما مؤسسة غالوب، فسجّلت في آذار 2026 سابقة تاريخية لم تحدث منذ بدء قياسها التعاطف الأميركي عام 2001:

 

الفئة العمرية

تعاطف أكثر مع الفلسطينيين

تعاطف أكثر مع الإسرائيليين

الشباب (18-34)

23% (أدنى مستوى مسجّل)

35 -54 سنة

46%

28%

55 سنة فما فوق

31%%

49% (أول مرة منذ 2005)

تأييد حل الدولتين (عام)

57% مؤيد

28% معارض

 

الفجوة الحزبية بلغت 44 نقطة مئوية بين الديمقراطيين والجمهوريين حول حل الدولتين؛ وهذه أوسع فجوة تسجّلها غالوب باستثناء عام 2024. لكن الأهم من الفجوة الحزبية نفسها هو انعكاس الاتجاه العمري. فـ فئة 55 سنة فما فوق، يلي شكّلت تاريخياً العمود الفقري للتعاطف الأميركي مع إسرائيل، سجّلت لأول مرة منذ عشرين عاماً أقل من نصف أفرادها متعاطفين مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين. وبما أن هذه الفئة هي الأكثر التزاماً بالتصويت والأكثر تأثيراً على القرار السياسي الأميركي، فإن تآكل تعاطفها، ولو ببطء نسبي مقارنة بالشباب، يحمل تداعيات انتخابية وتشريعية أبعد مدى من التحول الحاد لكنه الأقل تأثيراً سياسياً بين فئة الشباب.

وعلى الضفة البريطانية، تُظهر سلسلة استطلاعات يوغوف (بتكليف من مجلس التفاهم العربي-البريطاني Caabu، ومنظمة المساعدات الطبية للفلسطينيين MAP) بين نيسان وتموز 2026:

 

 

 

 

 

المؤشر

النسبة

تاريخ المسح

يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بغزة

50%

2 – 3 تموز 2026

لا يعتقدون ذلك

17%

نفس المسح

يعارضون العمليات العسكرية الإسرائيلية بغزة والضفة

62%

16 – 17 نيسان 2026

يؤيدون وقف كامل صادرات السلاح لإسرائيل

54%

نيسان 2026

يعتقدون أن بريطانيا لا يجب أن تعتبر إسرائيل حليفة

55%

تموز 2026

يؤيدون أن تبقى إسرائيل حليفة

15%

تموز 2026

يؤيدون حظر تجارة المستوطنات

48%

تموز 2026

يتعاطفون أكثر مع إسرائيل (أدنى رقم منذ 7 تشرين الأول 2023)

12%

أيلول 2026

يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين (رقم قياسي)

38%

أيلول 2026

يؤيدون الاعتراف الرسمي بفلسطين كدولة

44%

أيلول 2026

 

اللافت في هذه المعطيات البريطانية هو اتساع الفجوة بين الموقف الرسمي الحكومي والقاعدة الانتخابية التي أوصلت هذه الحكومة للسلطة تحديداً. فحزب العمال، يلي فاز في انتخابات عام 2024، ويشكل الحكومة الحالية، يحمل ناخبوه مواقف أكثر تشدداً تجاه إسرائيل من الموقف الرسمي المعلن للحزب نفسه؛ فـ 62% من ناخبي حزب العمال يؤيدون حظر تجارة المستوطنات، و72% يؤيدون تعليق مبيعات السلاح بالكامل، بينما لا تزال الحكومة مكتفية بوقف جزئي. هذه الفجوة بين القاعدة الشعبية والمؤسسة الحاكمة ليست مجرد رقم استطلاعي عابر، بل ضغط سياسي تراكمي يهدد بأن يتحول لاحقاً لأزمة ثقة داخل الحزب نفسه إذا استمرت الحكومة بتجاهله، خصوصاً أن الرقم القياسي بالتعاطف مع الفلسطينيين (38%) وانحدار التعاطف مع إسرائيل لأدنى مستوى منذ بداية الحرب (12%) يوحيان بأن الاتجاه ما زال متصاعداً ولم يبلغ سقفه بعد.

أما على مستوى أوروبا الغربية عموماً، فمسح يوغوف الموسّع الذي جرى في تموز 2026، يرصد أن النظرة الإيجابية لإسرائيل تراوحت بين 13% و21% فقط عبر عدة دول أوروبية غربية رئيسية، مقابل 63% إلى 70% نظرة سلبية. تتمدد هذه الظاهرة لتشمل عدة دول دفعة واحدة، بأرقام متقاربة نسبياً، يرجّح أننا لسنا أمام ظاهرة أميركية-بريطانية معزولة مرتبطة بسياقات محلية، بل أمام تحول بنيوي أوسع بالرأي العام الغربي عموماً تجاه إسرائيل، مرتبط مباشرة بصور الحرب المتواصلة وتغطيتها الإعلامية والرقمية على مدى العامين الأخيرين.

خلاصة؛ بالنظر إلى المعطيات الثلاث مجتمعة - الأميركية والبريطانية والأوروبية - يتضح أن إسرائيل تواجه اليوم أزمة شرعية شعبية غير مسبوقة داخل معسكرها الحليف تاريخياً، وهي أزمة تتقاطع فيها ثلاث مسارات متزامنة. انكسار التحالف الحزبي-الديني الأميركي التقليدي من الداخل عبر الفجوة الجيلية، واتساع الهوة بين الحكومات الغربية - التي لا تزال غالبيتها متحفظة بمواقفها الرسمية - وقواعدها الانتخابية التي تتحرك بأرقام أسرع من أي تعديل سياسي رسمي، وأخيراً تحول الظاهرة من حالة داخل دولة إلى نمط غربي جماعي يشمل عدة دول أوروبية دفعة واحدة. هذا التزامن الثلاثي يجعل من غير المرجح أن تكون الأزمة عابرة مرتبطة فقط بمجريات الحرب الراهنة، بل مؤشراً على تصدّع أعمق في العلاقة التاريخية بين الغرب وإسرائيل، تصدّع قد يحتاج الغرب الرسمي لسنوات كي يلحق بمستوى تحوّل رأيه العام.

 

المصادر

Pew Research Center, "US views of Israel, Netanyahu more negative in 2026, especially among young adults", April 7, 2026.

Pew Research Center, "Americans now have increasingly negative views of Israelis as views of Palestinians hold steady", July 9, 2026.

Gallup, "Israelis No Longer Ahead in Americans' Middle East Sympathies", March 4, 2026.

YouGov / Council for Arab-British Understanding (Caabu), "50% of the British population believe Israel is committing genocide in Gaza", July 7, 2026.

YouGov / Medical Aid for Palestinians (MAP), "New poll findings: British public opinion on Israeli military actions", April 29, 2026.

YouGov, "Net favourability towards Israel reaches new lows in
key Western European countries", July 2026.

إعداد مركز يوفيد

آخر تحديث: منذ ساعة