استشهد 31 فلسطينياً في غارات جوية إسرائيلية على أنحاء متفرقة من غزة يوم السبت، استهدفت مقراً للشرطة وأحياء سكنية وخياماً تؤوي عائلات نازحة، في وقت اشتدت فيه الهجمات تزامناً مع دخول وقف إطلاق النار مرحلة حرجة، مما أثار تساؤلات ملحة حول توقيت التصعيد وأهدافه.
جاء الهجوم الإسرائيلي بينما كان من المتوقَّع أن تنفذ إسرائيل التزامات أساسية في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، تشمل فتح المعابر، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتسهيل عودة آليات الحكم إلى القطاع، في وقت واصل الوسطاء جهودهم لدفع الاتفاق نحو مرحلته التالية وسط ضغوط إنسانية متزايدة في غزة.
التهرب من الالتزامات ونسف الاتفاق
قال خبير العلاقات الدولية علي أبو رزق إن التصعيد يُظهر محاولة إسرائيلية للتهرب من التزاماتها في الاتفاق، بعد أشهر من تحميل الطرف الفلسطيني كامل المسؤولية.
وأضاف: “سياسياً، تحاول إسرائيل الهروب من مرحلة تنفيذ الالتزامات. المراحل السابقة فرضت متطلبات على الفلسطينيين مثل تسليم الأسرى والجثامين، والتي ظلت إسرائيل تزعم أن الجانب الفلسطيني يعرقل تنفيذها”.
وأوضح أن انعكاس الصورة بدأ عندما أصبح على إسرائيل فتح المعابر، والسماح بالمساعدات، وسحب القوات، وبدء إعادة الإعمار.
وقال: “عندما جاء دور إسرائيل بدأت بنسف الاتفاق بكل قوتها”.
الإبادة كهدف
رأى أبو رزق أن إسرائيل تستهدف أيضاً أي بوادر تعافٍ في غزة، حتى في ظل ظروف إنسانية قاسية.
وأضاف: “عندما تُبنى مخيمات أو مدارس أو عيادات من الخيام كما حصل في مخيم ‘غيث’ في المواصي، فهذا يمثل إمكانية ولو بسيطة للتعافي، وهو ما يتناقض مع الهدف الأساسي للإبادة، الذي يتمثل في قتل أي أمل بالحياة أو البقاء في غزة”.
وقال رامي عبدو، رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إن الجيش الإسرائيلي ارتكب “جرائم مركبة” في غزة تحت ذرائع مختلقة.
وأضاف: “جيش الإبادة ارتكب سلسلة جرائم منذ الأمس، زاعماً أن مقاتلين خرجوا من نفق في رفح، رغم أن المدينة تحت سيطرة إسرائيل الكاملة”.
وتابع: “هذا يضع إسرائيل والعالم والوسطاء أمام حقيقة واحدة: إسرائيل لا تكترث بأي اتفاق”.
ضرب النظام الداخلي وصناعة الفوضى
قال أبو رزق إن إسرائيل تنزعج من عودة أي حد أدنى من النظام الداخلي في غزة، وهو ما يفسر الضربة المباشرة لمقر الشرطة في الشيخ رضوان.
وأضاف: “إسرائيل لا يزعجها عودة الأمن بشكل كامل، بل حتى بدء أي استقرار، ولهذا قصفت مقر الشرطة، فاستشهد في الهجوم شرطيون ومراجعون وموقوفون”.
وأوضح أن إسرائيل تسعى لتحويل غزة إلى ساحة فوضى داخلية، وليس مجتمعاً يملك مؤسسات عاملة.
وقال: “النموذج الذي خططت له إسرائيل بدقة هو غزة كساحة حرب أهلية داخلية، وليس فضاءً يحظى بأي نوع من السيطرة الأمنية”.
من جهته، قال الصحفي الإسرائيلي إليئور ليفي لإذاعة كان العامة، إن إسرائيل اختارت مقر الشرطة في غزة كهدف محدد.
وأضاف: “استهدفت إسرائيل مقر الشرطة في مدينة غزة رداً على قيام ‘هـ…’ بنشر قواتها عبر القطاع ومرافقة قافلة الحكومة التكنوقراطية الجديدة”.
ورأى أبو رزق أن إسرائيل تعارض أي تنسيق بين لجنة الإدارة الوطنية في غزة والحكومة السابقة في القطاع.
وقال: “وصلت بعض الشخصيات عبر هذه الحكومة وطرحت فكرة تسليم توافقي مع الاستفادة من الخبرات القائمة، وهذا يتناقض مع خطة إسرائيل لإحضار القيادة الفلسطينية على ظهر دبابة إسرائيلية”.
أما المحلل السياسي أحمد الهيلا فقال إن التصعيد المفاجئ يخدم عدة أهداف استراتيجية تتعلق بالمرحلة التالية من وقف إطلاق النار.
وأضاف: “القصف المفاجئ واستشهاد العشرات يهدف لترسيخ معادلة التفوق العسكري المطلق لإسرائيل. الجيش يريد أن يقتل ويقصف بحرّية وهو يتقدم نحو المرحلة الثانية من الهدنة”.
وأوضح أن القصف يهدف أيضاً لتعطيل لجنة الإدارة الوطنية التكنوقراطية الفلسطينية التي يُفترض أن تدخل غزة من القاهرة عبر معبر رفح.
وقال: “استهداف مقر الشرطة هو عملية لصناعة الفوضى ومنع الأمن الداخلي”.
التهجير القسري
قال أبو رزق إن إسرائيل تستخدم المجازر أيضاً للضغط على مصر لقبول تهجير جماعي.
وأضاف: “الضغط لم يعد على الفلسطينيين فقط، بل أيضاً على مصر. إسرائيل تصر على أنه إذا خرج آلاف من غزة، يجب أن يعود فقط المئات”.
وحذّر من أن هذا النهج يتجه نحو تهجير قسري بطيء إلى مصر، ومحاولة بعيدة المدى لتفكيك الوجود السياسي الفلسطيني في غزة.
وأضاف الهيلا أن توقيت القصف يحمل رسالة واضحة للفلسطينيين.
وقال: “القصف جاء تزامناً مع الحديث عن فتح معبر رفح. والرسالة هي: اتركوا غزة بلا عودة، فهي أرض موت ولا تصلح للحياة”.