كشفت دراسة صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عن تحول واسع في المواقف السياسية الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، مشيرة إلى تراجع التأييد لإقامة دولة فلسطينية في معظم التيارات السياسية اليهودية، مقابل تصاعد القبول بفكرة استمرار السيطرة الإسرائيلية طويلة الأمد على الفلسطينيين.
وقالت الباحثة بيث أوبنهايم في دراسة بعنوان "أفكار إسرائيل" إن مركز الثقل السياسي داخل إسرائيل تحرك بصورة كبيرة نحو اليمين في القضايا المرتبطة بالضفة الغربية والاستيطان والأمن ومستقبل الدولة الفلسطينية.
وترى الدراسة أن اليمين القومي والديني بات أكثر قدرة على فرض تصوراته المتعلقة بمستقبل الأراضي الفلسطينية، فيما تراجعت القوى التي كانت تربط مستقبل إسرائيل بالتوصل إلى تسوية سياسية تقوم على الانفصال عن الفلسطينيين أو إقامة دولتين.
وتشير الدراسة إلى أن التيار القومي الإسرائيلي يدعم أشكالاً مختلفة من توسيع السيادة الإسرائيلية، بما يشمل لدى بعض مكوناته ضم أجزاء من المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية، مع إبقاء الفلسطينيين تحت ترتيبات محدودة من الحكم الذاتي والسيطرة الأمنية الإسرائيلية.
أما القوميون الدينيون، فتقول الدراسة إن رؤيتهم تذهب أبعد من ذلك، إذ يربطون بين القومية اليهودية والعقيدة الدينية، ويرون الضفة الغربية جزءاً من "أرض إسرائيل" التاريخية والدينية.
وبحسب الدراسة، فإن هذا التيار يدفع باتجاه توسيع المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة، فيما تطرح بعض مكوناته رؤى توسعية تتجاوز حدود الضفة الغربية.
وتلفت أوبنهايم إلى أن الخلاف بشأن الفلسطينيين لم يعد محصوراً بين اليمين واليسار بصورته التقليدية، إذ تبنت أجزاء من الوسط والتيار الصهيوني الليبرالي مواقف أمنية أكثر تشدداً، ولا سيما بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتقول الدراسة إن هجوم حماس في ذلك اليوم والحرب التي أعقبته عززا لدى كثير من الإسرائيليين الاعتقاد بأن أمن الدولة يعتمد بصورة أساسية على التفوق العسكري واستخدام القوة.
وبالتوازي، تشير الدراسة إلى أن حتى التيار الصهيوني الليبرالي الذي يرفض ضم الضفة وينتقد عنف المستوطنين لم يعد يطرح بصورة واضحة مشروع الدولتين بوصفه محوراً سياسياً رئيسياً، بل أصبح الحديث لدى بعض قادته يتركز على "الانفصال" عن الفلسطينيين مع الحفاظ على أغلبية يهودية داخل إسرائيل.
وترى الدراسة أن هذه التحولات تضع القضية الفلسطينية أمام معضلة طويلة الأمد، إذ يمكن أن يستمر نظام تسيطر فيه إسرائيل أمنياً وسياسياً على ملايين الفلسطينيين من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي الوقت نفسه دون دمجهم في نظام سياسي واحد بحقوق متساوية.
وتشير أوبنهايم إلى أن القوميين الدينيين أصبحوا من أبرز القوى الساعية إلى تحويل السيطرة على الأرض إلى مشروع دائم، بينما أصبحت فكرة "إسرائيل الكبرى" أكثر حضوراً في دوائر سياسية كانت في السابق أقل تقبلاً لهذه التصورات.
وتعتبر الدراسة أن هذه التحولات لن تختفي بمجرد انتهاء عهد نتنياهو، لأن أسبابها ترتبط بتغيرات اجتماعية ودينية وديمغرافية وسياسية أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي.
وتخلص إلى أن مستقبل الفلسطينيين أصبح مرتبطاً بصورة وثيقة بالصراع الداخلي الإسرائيلي حول تعريف الدولة وحدودها وهويتها، وأن الاتجاه السياسي السائد حالياً ابتعد بدرجة كبيرة عن النموذج الذي كان يقوم على تسوية سياسية تنتهي بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.