غزة

جغرافيا الركام: كيف محت الاحتلال معالم قطاع غزة

جغرافيا الركام: كيف محت الاحتلال معالم قطاع غزة

أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات أُسقطت على غزة، ودمار شامل طال 90% من المناطق الحضرية والزراعية، مع 61 مليون طن من الركام تحتاج سنوات لإزالتها.

تتجاوز لغة الأرقام في قطاع غزة حدود الوصف التقليدي للحروب، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي أسقط ما يزيد عن 200 ألف طن من المتفجرات منذ أكتوبر 2025.

هذا الحجم الهائل من القوة التدميرية يأتي في وقت يتساءل فيه قادة الاحتلال أمام المحافل الدولية عن أثر صاروخ واحد، بينما تحولت مدن بأكملها في القطاع إلى أكوام من الركام المتداخل.

وأفادت مصادر رسمية في المكتب الإعلامي الحكومي بأن العمليات العسكرية أدت إلى تدمير شامل طال نحو 90% من المناطق الحضرية والزراعية في غزة، كما فرض جيش الاحتلال سيطرته الميدانية عبر الاجتياح البري وسياسة الأرض المحروقة على مساحة تتجاوز 80% من إجمالي مساحة القطاع، مما أدى لتهجير قسري للسكان وتغيير معالم الأرض.

وتكشف صور الأقمار الصناعية والخرائط الحديثة عن تحول جذري في طبوغرافيا القطاع، حيث اختفت أحياء سكنية كانت توصف بالمزدهرة مثل الشجاعية والزيتون وتل الهوى. هذه المناطق التي كانت تعج بالحياة والمباني العمرانية، باتت تظهر في الخرائط كبقع رمادية من الحطام، حيث انمحت الدروب والمسالك وتداخلت حدود الأحياء ببعضها البعض.

ولم يقتصر التدمير على الحجر، بل امتد ليطال البنية البيئية والزراعية بشكل ممنهج، حيث تشير الإحصائيات إلى إبادة 95% من المحاصيل الزراعية، كما جرفت الآليات العسكرية 98% من المساحات المشجرة، وحولت بساتين خزاعة وعبسان وحقول جحر الديك والمغراقة إلى أراضٍ قاحلة محروقة بفعل القذائف والمتفجرات.

وفي القطاع التعليمي، سجلت وزارة التربية والتعليم العالي كارثة غير مسبوقة بعد تدمير 179 مدرسة حكومية بشكل كامل، بالإضافة إلى 63 مبنى جامعياً، ولم تتوقف الاستهدافات عند هذا الحد، بل طالت القذائف أكثر من 100 مدرسة تابعة لوكالة الأونروا، مما أدى لشطب 30 مدرسة بالكامل من السجل التعليمي بعد استشهاد طلبتها ومعلميها.

المنشآت الصحية كانت هي الأخرى في مرمى النيران، حيث تعرضت مستشفيات كبرى مثل الشفاء وناصر والإندونيسي وكمال عدوان لدمار واسع أخرجها عن الخدمة أو قلص قدراتها بشكل حاد، هذا الاستهداف الممنهج للمرافق الطبية والتعليمية يعكس رغبة واضحة في جعل قطاع غزة مكاناً غير قابل للحياة البشرية لسنوات طويلة قادمة.

وتشير التقديرات الفنية إلى أن قطاع غزة يرزح الآن تحت وطأة 61 مليون طن من الركام الذي يحتاج لسنوات من العمل لإزالته، وتكمن الخطورة الكبرى في احتواء هذا الحطام على نحو 4 ملايين طن من النفايات الخطرة، بالإضافة إلى 50 ألف طن من مادة الأسبستوس المسرطنة التي تشكل تهديداً صحياً طويل الأمد للسكان.

وإلى جانب الركام الظاهر، تحذر المصادر من وجود نحو 100 ألف طن من الأجسام والمتفجرات غير المنفجرة القابعة تحت أنقاض المنازل المدمرة، هذه المخلفات العسكرية تمثل قنابل موقوتة تهدد حياة المدنيين وطواقم الإنقاذ، وتعيق أي محاولات أولية لترميم البنية التحتية المتهالكة في مختلف المحافظات.

إن ما يشهده قطاع غزة هو عملية إعادة صياغة جغرافية قسرية، حيث تحولت شوارع خانيونس ورفح الكبرى إلى مسارات غير واضحة المعالم بفعل القصف المستمر.

هذه السياسة التدميرية لم تترك مرفقاً عاماً أو خاصاً إلا وأصابته، مما يجعل من عملية إعادة الإعمار تحدياً يفوق القدرات المحلية والدولية في ظل استمرار الحصار والعدوان.