أكد الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن تأجيل الانتخابات الفلسطينية لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا منذ البداية، في ظل غياب الحد الأدنى من متطلبات إجراء انتخابات حرة ونزيهة، واستمرار الانقسام الفلسطيني، وتدخلات الاحتلال الإسرائيلي، وغياب رؤية وطنية موحدة قادرة على إخراج النظام السياسي الفلسطيني من أزمته.
وأوضح المصري، في مقال بعنوان «رسالة إلى صديق: تأجيل الانتخابات كان مكتوبًا على الحائط»، أن الخطأ الأساسي لم يبدأ بقرار التأجيل، وإنما بالدعوة إلى إجراء الانتخابات دون توفير الضمانات اللازمة لنزاهتها واحترام نتائجها، ودون التوافق على خطة للإنقاذ الوطني تتضمن موعدًا جديدًا للانتخابات وميثاقًا وطنيًا ملزمًا لجميع الأطراف.
وأشار إلى أن التعامل مع الانتخابات باعتبارها الحل الوحيد للأزمة الفلسطينية يمثل اختزالًا للمشكلة، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالانتخابات وحدها، بل يحتاج إلى قوى سياسية واجتماعية قادرة على قيادة عملية تغيير وطنية وديمقراطية شاملة.
ورأى المصري أن المعضلة الكبرى تكمن في استمرار غياب الرؤية والاستراتيجية والقيادة الوطنية الموحدة، إلى جانب افتقار الساحة الفلسطينية إلى قوى تغييرية ذات وزن سياسي واجتماعي، تمتلك برنامجًا وطنيًا وديمقراطيًا متميزًا عن الواقع القائم.
وأضاف أن قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني باتت تبحث عن بديل وطني ديمقراطي حقيقي، في حين تكتفي قطاعات أخرى بالمطالبة بتغيير الشخصيات والوجوه السياسية، دون الالتفات إلى ضرورة تغيير السياسات والبنى القائمة. واعتبر أن الظروف الحالية، رغم تعقيداتها، قد تشكل فرصة لإعادة التفكير في بناء قوى وطنية قادرة على إحداث تغيير فعلي في النظام السياسي الفلسطيني.
وأكد المصري أن الاحتلال الإسرائيلي يمثل العامل الأساسي والأكثر تأثيرًا في تعطيل العملية الانتخابية الفلسطينية، من خلال تدخله في مختلف مراحلها، ومحاولاته التأثير على نتائجها أو مصادرتها. وفي المقابل، أشار إلى أن استمرار الانقسام الفلسطيني وغياب التوافق الوطني بشأن قواعد العملية الانتخابية وإجراءاتها يشكلان عاملين رئيسيين في تعميق الأزمة.
وأوضح أن إجراء أي انتخابات يتطلب اتفاقًا مسبقًا على قواعد المنافسة وضمانات احترام النتائج، خصوصًا في الحالة الفلسطينية التي وصفها بالاستثنائية، نتيجة تآكل الشرعيات السياسية والمؤسساتية. وانتقد المصري ما اعتبره انفرادًا رئاسيًا بالقرار، مشيرًا إلى أن حسابات المنافسة الانتخابية، ونتائج استطلاعات الرأي، وملامح القوائم المرشحة، قد تكون أسهمت في تعزيز التوجه نحو التأجيل. كما لفت إلى أن عدم جاهزية القيادة والفصائل لخوض الانتخابات، والانقسامات داخل حركة فتح، وغياب استراتيجيات بديلة عن المسارات السياسية التي وصلت إلى طريق مسدود، جميعها عوامل ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة.
واستعرض المصري مجموعة من المؤشرات التي رأى أنها كشفت، منذ البداية، عن احتمالية تأجيل الانتخابات، من بينها التغييرات المتكررة في التصورات المتعلقة بتشكيل المجلس الوطني والمجلس التشريعي وآليات اختيار أعضائهما. وأشار إلى أن النقاشات بدأت بالدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني لاختيار الرئيس من خلاله، قبل التراجع عن هذا التوجه، ثم طرح مجلس تشريعي يضم 200 عضو، وتقليص العدد لاحقًا إلى 132 عضوًا، مع الحديث عن تعيين 68 عضوًا من الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما انتقد ما وصفه بالتخبط في القوانين والإجراءات الانتخابية، بما في ذلك شروط الترشح، ونسبة الحسم، وحصة المسيحيين، والمجمعات الانتخابية، معتبرًا أن بعض هذه الإجراءات تمس جوهر التنافس الديمقراطي. وتوقف عند اشتراط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية للترشح، معتبرًا أن ذلك يحد من التعددية السياسية، ويحوّل الانتخابات من منافسة بين البرامج والرؤى إلى منافسة على المواقع والمصالح.
وتناول المصري في مقاله مسألة مشاركة حركة حماس وفصائل المقاومة في الانتخابات، معتبرًا أن استبعاد فصائل سياسية أساسية من العملية الانتخابية يتعارض مع مبدأ التنافس الديمقراطي. وأشار إلى ما وصفه بالرفض الإسرائيلي والدولي لمشاركة حماس، لافتًا إلى التهديدات الإسرائيلية باستهداف قيادات وعناصر من الفصائل في حال خوضها الانتخابات. كما اعتبر أن عدم تجاوب الإدارة الأمريكية مع استفسارات السلطة الفلسطينية بشأن إجراء الانتخابات يحمل دلالات سياسية، في ظل الترتيبات الإقليمية والدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وشدد على ضرورة التوافق الوطني المسبق حول آليات مواجهة التدخلات الإسرائيلية، ومنع الاحتلال من تعطيل العملية الانتخابية أو التأثير على نتائجها.
وفيما يتعلق بالقدس، رأى المصري أن اشتراط إجراء الانتخابات فيها لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم للتأجيل، مشيرًا إلى إمكانية البحث عن بدائل عملية إذا توافرت الإرادة السياسية.
ولفت المصري إلى أن استمرار الحرب وتداعياتها، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات الإسرائيلية، ومحاولات إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض مؤسساتها، تفرض تحديات عاجلة تستدعي وضع خطة وطنية شاملة. واعتبر أن هذه الظروف تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات الفلسطينية، وإطلاق مسار للإنقاذ الوطني يستند إلى برنامج سياسي مشترك وقيادة موحدة وقواعد عمل جبهوي تتناسب مع طبيعة حركة التحرر الوطني الفلسطيني. وأكد أن الانتخابات يجب أن تكون جزءًا من مشروع وطني متكامل، لا بديلًا عن التوافق الوطني أو عن معالجة الانقسام وإصلاح المؤسسات.
واختتم المصري مقاله بإثارة تساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية وراء تأجيل الانتخابات، وما إذا كانت مبادرة الجبهة الشعبية والتوصيات الصادرة عن اجتماعات الفصائل في القاهرة قد شكلت سببًا فعليًا للتأجيل، أم استُخدمت باعتبارها مخرجًا سياسيًا لاتخاذ قرار كان متوقعًا مسبقًا. كما تساءل عن مدى صحة الاعتقاد بأن إجراء الانتخابات الفلسطينية مطلب مفروض من المجتمع الدولي، داعيًا إلى الانطلاق من المصلحة الوطنية الفلسطينية في بناء نظام سياسي فاعل وقيادة شرعية تعددية تتمتع بالمصداقية. وشدد على أن الطريق نحو تجديد الشرعية الفلسطينية يمر عبر مشروع وطني متكامل يقوم على التوافق الوطني، والبرنامج السياسي المشترك، وإجراء انتخابات ديمقراطية تتوافر لها ضمانات النزاهة واحترام النتائج، واختتم مقاله بعبارة: «وللحديث صلة».