غزة

الحرب تضرب موسم الزيتون في غزة وترفع تكاليف إنتاجه

الحرب تضرب موسم الزيتون في غزة وترفع تكاليف إنتاجه

المزارعون في غزة يخوضون موسم قطف الزيتون وسط ظروف استثنائية، مع تقلص المحصول إلى أدنى مستوياته التاريخية وارتفاع تكاليف العصر إلى ثلاثة أضعاف.

يخوض المزارعون الفلسطينيون في قطاع غزة غمار موسم قطف الزيتون لهذا العام وسط ظروف استثنائية وبالغة التعقيد، حيث تسببت الحرب المستمرة في إنهاك القطاع الزراعي وتقليص المحصول إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتواجه العائلات صعوبات جمة في الوصول إلى بساتينها، خاصة تلك الواقعة في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال أو المناطق المحاذية لما يُعرف بالخط الأصفر.

وفي المساحات الزراعية المتاحة، يحاول المزارعون جني ما تبقى من ثمار وتنقيتها من الأغصان والأوراق، إلا أن النقص الحاد في الأسمدة ومياه الري يقف عائقاً أمام جودة الإنتاج. كما أدى غياب المستلزمات الزراعية الأساسية إلى تدهور صحة الأشجار المعمرة التي صمدت لعقود قبل أن تطالها آلة الحرب الإسرائيلية.

وتشير التقديرات الرسمية الصادرة عن وزارة الزراعة في غزة إلى أن خسائر القطاع الزراعي الإجمالية تجاوزت حاجز 3 مليارات دولار أمريكي منذ بدء حرب الإبادة الجماعية. وتتوزع هذه الخسائر بين أضرار مباشرة لحقت بالبنية التحتية والأراضي بقيمة 1.49 مليار دولار، وخسائر غير مباشرة ناتجة عن توقف الإنتاج بلغت 1.59 مليار دولار.

ويروي المزارع كامل بركة من مدينة دير البلح وسط القطاع، كيف تراجع إنتاج شجرة الزيتون الواحدة بصورة صادمة ومؤلمة، فبعد أن كانت الشجرة تنتج نحو 100 كيلوغرام من الزيتون قبل الحرب، بات إنتاجها الحالي لا يتجاوز 30 كيلوغراماً في أفضل الأحوال، ما يمثل انخفاضاً حاداً يصل إلى 80%.

ويؤكد بركة أن هذا الموسم الذي كان يمثل في السابق شريان حياة ومصدر رزق أساسي لآلاف العمال والتجار، أصبح اليوم بالكاد يوفر الاحتياجات المنزلية البسيطة، ويعزو هذا التراجع إلى غياب العناية المستمرة بالأشجار، وصعوبة الحصول على التسميد اللازم والري المنتظم بسبب تدمير الآبار وشبكات المياه.

وتبرز معضلة 'الخط الأصفر' كأحد أكبر التحديات التي تواجه المزارعين في المناطق الشرقية من وسط قطاع غزة، حيث يمنع الاحتلال الوصول إلى مساحات واسعة من البساتين. وهذا الخط الافتراضي الذي انسحب إليه الجيش بموجب تفاهمات سياسية، لا يزال يشكل عائقاً جغرافياً يحرم الفلسطينيين من استغلال أراضيهم الخصبة.

وأفادت مصادر محلية بأن المزارعين في مناطق البريج والمغازي ودير البلح فقدوا القدرة على الوصول إلى أراضيهم الواقعة شرق شارع صلاح الدين، وتعتبر هذه المناطق تاريخياً من أكثر المناطق إنتاجاً للزيتون، مما أدى إلى فجوة كبيرة في المعروض من الزيت والزيتون في الأسواق المحلية.

وقبل اندلاع الحرب، كانت الاستعدادات لموسم الزيتون تبدأ قبل شهر كامل من القطف، حيث يتم التعاقد مع العمال وتجهيز المعاصر ووسائل النقل.

أما اليوم، فقد اختفت هذه المظاهر الاحتفالية وحل مكانها القلق من التكاليف المرتفعة والمخاطر الأمنية التي تحيط بعمليات الجني في المناطق الحدودية.

ولا تتوقف المعاناة عند حدود الحقل، بل تمتد لتشمل تكاليف عصر الزيتون التي ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في السنوات الماضية، ويعود هذا الارتفاع الجنوني إلى نقص الوقود اللازم لتشغيل المعاصر وارتفاع تكاليف الصيانة وندرة قطع الغيار اللازمة للآلات.

كما يواجه المزارعون أزمة في تأمين العبوات البلاستيكية والمعدنية اللازمة لتخزين الزيت، بالإضافة إلى صعوبة توفير وسائل النقل من المزارع إلى المعاصر، فبعد أن كان أصحاب المعاصر يتولون مهمة النقل كجزء من الخدمة، بات المزارع اليوم مضطراً لدفع مبالغ طائلة لتأمين شاحنة صغيرة لنقل محصوله.

إن الارتفاع الكبير في تكاليف ضخ المياه وري الأشجار، إلى جانب ندرة الأسمدة، جعل من عملية الاحتفاظ بالمحصول وتخزين الزيت عبئاً مالياً لا تطيقه معظم العائلات.

وبدلاً من أن يكون الموسم فرصة لتحسين الدخل، تحول إلى رحلة شاقة لتأمين الحد الأدنى من الغذاء للاستهلاك الذاتي فقط.

وبحسب البيانات الإحصائية، فإن العدوان الإسرائيلي أدى إلى تضرر نحو 87% من إجمالي المساحات المزروعة في قطاع غزة. حيث طال الدمار 158 ألف دونم من أصل 182 ألف دونم، وهو ما يعكس حجم الكارثة البيئية والاقتصادية التي حلت بالقطاع الزراعي الفلسطيني.

هذا التدمير الممنهج للأراضي الزراعية لم يقلص الإنتاج فحسب، بل أدى أيضاً إلى انخفاض حاد في القدرة على توفير الأمن الغذائي للسكان المحاصرين.

وتعتبر أشجار الزيتون المستهدفة رمزاً للصمود الفلسطيني، مما يجعل استهدافها جزءاً من سياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها قوات الاحتلال.

وفي ختام المشهد، يبقى المزارع الفلسطيني في غزة متمسكاً بأرضه رغم كل المعيقات، محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه من موسم الزيتون. ورغم أن المحصول هذا العام مثقل بالجراح والديون، إلا أن الإصرار على جني الثمار يظل رسالة تحدٍ بوجه محاولات اقتلاع الإنسان من أرضه وتدمير مقومات حياته.