صادقت الحكومة الأمنية الإسرائيلية على سلسلة إجراءات تهدف إلى تسريع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وتعزيز الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، وسط إدانات اعتبرتها محاولة لإضفاء الشرعية على التوسع الاستيطاني ومصادرة الأرض.
وفي بيان مشترك الأحد، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن الحكومة وافقت على قرارات وصفوها بـ “الدراماتيكية” تغيّر الواقع القانوني والمدني في الضفة. وذكر الوزيران أن الإجراءات تتيح لإسرائيل اتخاذ خطوات في المنطقتين (أ) و(ب) في قضايا مدنية، في خرق مباشر لاتفاقيات أوسلو، بهدف إزالة ما وصفوها بالعقبات القديمة.
وبحسب غالانت وسموتريتش، فإن القرار شمل تسهيلات لشراء الأراضي من قبل إسرائيليين بإلغاء قانون أردني كان يمنع بيع الأرض لغير الفلسطينيين. كما أزيلت السرية عن سجلات أراضي الضفة، ما يسمح للمشترين بتحديد المالكين الفلسطينيين والتفاوض معهم مباشرة، في خطوة تُفاقم الاستيلاء القسري على الأراضي.
شملت القرارات أيضاً نقل صلاحيات التخطيط والبناء في الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي. وفي بيت لحم، نقلت إسرائيل الإشراف على منطقة قبر راحيل لإدارتها المباشرة، ومنفصلة عن بلدية المدينة.
وكشفت صحيفة هآرتس أن إسرائيل ستنشئ هيئة بلدية مستقلة لجماعة المستوطنين داخل الخليل، تُخدم المستوطنين مباشرة وتتجاوز الآليات الفلسطينية، ما يعمق سيطرة الاحتلال في المدينة.
وذكرت يديعوت أحرونوت أن غالانت وسموتريتش دفعا باتجاه هذه الخطوات لتعزيز ضم فعلي لمناطق واسعة من الضفة. وأضافت أن الإجراءات ستعيد صياغة نظم الأراضي وعمليات الشراء، وتسمح لإسرائيل بهدم مبانٍ يملكها فلسطينيون حتى في المنطقة (أ)، ما سيؤدي لتوسع استيطاني كبير.
وأشارت الصحيفة إلى أن القرارات جاءت بينما يستعد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزيارة مبكرة للولايات المتحدة، وسط مخاوف من تراجع موقف الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تجاه إيران. بينما يتوجه نتنياهو لواشنطن، يواصل غالانت وسموتريتش مساعيهما لفرض سيطرة كاملة على الضفة.
وبحسب يديعوت، فإن القرارات تتعارض مع اتفاق الخليل لعام 1997، الذي لم ينص على انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية لكنه حدد صلاحياتها. وكشفت الصحيفة أن هذه الخطوات مرت عبر المجلس الأمني فقط دون تصويت حكومي كامل، في مسعى لتسريع الضم قبل الانتخابات المتوقعة في أكتوبر.
ورحب مجلس المستوطنين الإسرائيلي بالقرارات، واعتبرها الأهم منذ 58 عاماً. وقال المجلس في بيان إن الحكومة أعلنت فعلياً أن الأرض “ملك للشعب اليهودي” وتقوم الآن بتعزيز السيطرة عليها ميدانياً.
في فلسطين، صدرت ردود فورية وقوية. ووصفت الرئاسة الفلسطينية الخطوات بأنها تصعيد خطير ضمن حرب شاملة على الشعب الفلسطيني، وتهدف لتقويض الوجود والحقوق الوطنية في كل الأراضي المحتلة، وتطبيق فعلي لمخططات الضم والتهجير.
وقدمت فلسطين طلباً عاجلاً إلى الجامعة العربية لعقد جلسة طارئة لبحث الإجراءات الإسرائيلية في الضفة.
وقال مهند العكلوك، المندوب الدائم لفلسطين لدى الجامعة العربية: “يأتي طلب الاجتماع في ضوء قرارات الاحتلال العدوانية الرامية إلى توسيع الاستيطان، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، ونقل صلاحيات بلدية الخليل إلى ما يسمى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال، بما يشمل المساس بمكانة الحرم الإبراهيمي”.
وأضاف: “هذه القرارات غير القانونية تشكل امتداداً للعدوان الإسرائيلي الشامل على شعبنا وأرضه ومقدساته وممتلكاته، وتعمق سياسات الضم والتوسع”، داعياً الحلفاء إلى التحرك لكبح الاحتلال.
وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن القرارات تفرض بيئة عدائية وقسرية على الفلسطينيين، مطالبة المجتمع الدولي بمواجهة إسرائيل، ومحذرة أن الإجراءات تقوض اتفاق أوسلو وتتناقض مع القانون الدولي.
وحذرت بلدية الخليل من أن إسرائيل تسعى لإنشاء كيان موازٍ يسمح بتوسيع المستوطنات داخل المدينة، ما يقوض الترتيبات القانونية السابقة ويهدد بتحويل المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية إلى ذرائع للسيطرة الإسرائيلية.
وقال المتحدث باسم حـــز.م حــم.ــا.ــس، حازم قاسم، إن القرارات تهدف لابتلاع كل الأرض الفلسطينية وتهجير السكان قسرياً، وتسعى لتوسيع حرب الإبادة ومحو الوجود الفلسطيني. ودعا إلى تحرك فلسطيني موحد لمواجهة الخطر الوجودي.
كما دانت وزارة الخارجية الفلسطينية القرارات ووصفتها بالإجرامية، معتبرة أن إسرائيل لا تملك السيادة على أي جزء من الأراضي المحتلة ولا يحق لها إلغاء أو تعديل القوانين المعمول بها بما فيها التشريعات الأردنية. ورأت أن ما قامت به الحكومة يمثل جريمة حرب متكاملة وطالبت بتحقيقات دولية ومساءلة الإسرائيليين.
وأكدت حركة فتح أن القرارات تشرعن سرقة الأرض وتدمر إمكانية حل الدولتين وتفرض نظام فصل عنصري بالقوة، مشددة على أن الأرض الفلسطينية ليست للبيع، وأن الإجراءات لن تضفي على إسرائيل أية شرعية قانونية أو سياسية.
من جانبها، دانت السعودية والأردن والإمارات وقطر وإندونيسيا وباكستان ومصر وتركيا إجراءات إسرائيل الجديدة لتشديد السيطرة على الضفة وتوسيع الاستيطان فيها.
وقالت وزارة الخارجية السعودية إن هذه الدول “تدين بأشد العبارات القرارات والإجراءات الإسرائيلية غير القانونية الهادفة إلى فرض سيادة إسرائيلية غير مشروعة”.
وحذّرت منظمة سلام الآن من أن رئيس الوزراء نتنياهو يتّبع سياسة “خطيرة وغير مسؤولة” لتفكيك السلطة الفلسطينية وفرض ضم فعلي من خلال قوانين جديدة في الأراضي المحتلة.
وقالت المنظمة: “وعد نتنياهو بإسقاط حركة حــم.ــا.ــس في غزة، لكنه فعلياً اختار إسقاط السلطة الفلسطينية، وإلغاء الاتفاقيات الموقعة، وفرض ضم فعلي علينا—ضد إرادة الجمهور، وضد مصالح إسرائيل، وضد الموقف الواضح للرئيس ترامب”.
وأكدت أن هذه الخطوات ستؤدي إلى تصعيد خطير وعزلة دولية متزايدة، واتهمت نتنياهو باستخدام مجلسه الأمني لتنفيذ سياسات دون رقابة أو شفافية.
وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي أنوار العنوني: “الاتحاد الأوروبي يدين قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي الأخيرة بشأن توسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية”، معتبراً أن “هذه الخطوات تمثل اتجاهاً خاطئاً آخر”.