قالت مجموعتان بحثيتان، الخميس، إن وكالة الإعلانات الرقمية الإسرائيلية Discover-Tech تجسست على مستخدمي الإنترنت عبر شبكة واسعة من الإعلانات التي استخدمتها لتتبع المستهدفين والمساعدة في اختراق أجهزتهم، كما استهدفت أجهزة العشرات من صحفيي قناة الجزيرة بين عامي 2024 و2025 خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة.
ووفق تقريرين منفصلين صادرين عن مجموعة «سيتيزن لاب» الكندية لمراقبة الإنترنت وشركة «كونفيانت» المتخصصة بأمن الإعلانات في نيويورك، فقد منحت خدمات «ديسكفر-تك» شركة «كانديرو» الإسرائيلية المتخصصة ببرامج التجسس، وهي مدرجة على القائمة السوداء الأميركية، إلى جانب شركات مراقبة إسرائيلية أخرى، إمكانية الوصول إلى منصات إعلانية تديرها غوغل و«كومكاست» و«ياندكس» الروسية وغيرها.
وتظهر التقارير كيف يمكن لقطاع الإعلانات الإلكترونية، الذي طالما كان محور مخاوف تتعلق بالخصوصية، أن يتحول أيضاً إلى قناة لحملات تجسس واسعة النطاق. وقال وولفي كريستل، الباحث البارز في «سيتيزن لاب»، لوكالة رويترز: «الطريقة التي يعمل بها الإعلان الإلكتروني اليوم تشكل تهديداً أمنياً نمطياً، بالنسبة للدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني وكل الأطراف الأخرى على حد سواء».
وقالت «سيتيزن لاب» إن إعلانات «ديسكفر-تك»، التي تروّج غالباً لمنتجات عادية كالهواتف أو سماعات الأذن، وصلت عبر شراكاتها المختلفة إلى أكثر من 120 ألف موقع إلكتروني و75 ألف تطبيق.
ووفق الباحثين، فإن المستخدمين الذين زاروا مواقع أو استخدموا تطبيقات تحتوي على الإعلانات الخبيثة كان يمكن تحديدهم وتتبعهم من قبل «ديسكفر-تك»، التي كانت تسعى أحياناً إلى استخراج أرقام هواتف بعض مستخدمي الهواتف الذكية. ولم يكن التجسس يحتاج سوى إلى تحميل الإعلانات على الموقع الإلكتروني.
وقالت مجموعتا البحث إن بعض الإعلانات كان يستخدم للمساعدة في زرع برامج تجسس تابعة لـ«كانديرو» على أجهزة المستخدمين، رغم أن «كونفيانت» أفادت بأن الإعلانات المرتبطة بـ«كانديرو» لم تكن سوى نسبة ضئيلة من حجم عمل «ديسكفر-تك» الإجمالي.
وقال جيروم دانغو، الشريك المؤسس لـ«كونفيانت»، إن «ديسكفر-تك» كانت تضخ ما لا يقل عن 10 ملايين إعلان يومياً في أنحاء العالم كافة، وإن ترتيبات تبادل البيانات المعروفة بـ«مطابقة الكوكيز» سمحت لها بتتبع الأشخاص حتى خارج نطاق إعلاناتها. وأضاف: «من المرجح جداً أن مئات الملايين من الناس تأثروا بديسكفر-تك».
وكانت وزارة التجارة الأميركية قد أدرجت «كانديرو» على القائمة السوداء عام 2021 لتوريدها برامج تجسس استُخدمت في استهداف مسؤولين حكوميين وصحفيين وناشطين وأكاديميين بشكل ضار.
وقالت «سيتيزن لاب» إن شكلاً قوياً من برامج التجسس التابعة لـ«كانديرو»، جرى تسليمه عبر إعلانات «ديسكفر-تك»، استُخدم لاختراق 45 جهازاً يعمل بنظام ويندوز في شبكة البث القطرية الجزيرة بين عامي 2024 و2025، موضحة أنها تمكنت من تأكيد ذلك لأن مجموعة الجزيرة شاركت سجلات شبكتها معها.
وفي بيان لها، قالت الجزيرة إنها «تدين هجمات برامج التجسس التي استهدفت عدداً من موظفيها»، وإنها تتخذ خطوات لحماية موظفيها وأنظمتها، مضيفة: «يجب محاسبة المسؤولين».
وقال دانغو من «كونفيانت» إن الإعلانات الخبيثة ظهرت لمستخدمين في «مئات الشبكات في فئات حساسة»، بينها البنتاغون والوكالة الدولية للطاقة الذرية والمحكمة الجنائية الدولية. وأضاف أن بعض المناطق، مثل الأراضي الفلسطينية، مشبعة بشكل خاص بإعلانات الشركة الإسرائيلية، قائلاً: «تذهب إلى أي موقع تقريباً في فلسطين — أي موقع — تجد إعلاناً لديسكفر-تك. هذا يمنحهم رؤية كاملة جداً للأنشطة الرقمية لدولة بأكملها».
وقالت «سيتيزن لاب» أيضاً إن لديها أدلة مماثلة تظهر أن الإعلانات الخبيثة عُرضت على أشخاص في الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية وأكثر من اثنتي عشرة حكومة وطنية. ومن الشبكات الأخرى التي ظهرت فيها الإعلانات شركات مرتبطة بالرقائق الإلكترونية مثل «إنفيديا» و«سانديسك» و«برودكوم» و«ميكرون»، إضافة إلى عدة مؤسسات إعلامية في المكسيك وإسرائيل وأوروبا لم تُحدد هويتها.
وإلى جانب تحديد «كانديرو» واثنين آخرين من موردي المراقبة، قالت «سيتيزن لاب» إنها تمكنت من جمع بعض التفاصيل حول الأماكن التي قد يكون مستخدمو «ديسكفر-تك» موجودين فيها، لأن الشركة كشفت عن غير قصد سجلات المصادقة الخاصة بها على الإنترنت، ما أظهر أشخاصاً يسجلون الدخول من عناوين بروتوكول إنترنت في إسرائيل وأوروبا والخليج.
وتواجه «ديسكفر-تك» الآن استبعاداً من أجزاء من سوق الإعلانات الإلكترونية. وقالت غوغل في بيان إنها تعاونت مع تحقيق «سيتيزن لاب» و«كونفيانت» وطردت «ديسكفر-تك» من منصاتها الإعلانية «لانتهاكها سياساتنا بشكل منهجي».
وقالت جمعية «آي إيه بي يوروب»، وهي الرابطة الأوروبية لقطاع التسويق الرقمي والإعلان، في رسالة إلكترونية إن «ديسكفر-تك» عُلقت من قائمتها للموردين المعتمدين عالمياً الأسبوع الماضي بعد أن كشف تدقيق انتهاكات للسياسات.
وقالت «كومكاست» في بيان إن شركتها الفرعية لتقنيات الإعلان «بيسواكس» أزالت «ديسكفر-تك» من منصتها «عقب نشاط حديث».
وتعني طبيعة تثبيت برامج التجسس هذه أنه بمجرد ظهور إعلان مصاب على جهاز ما، يُصاب ذلك الجهاز أيضاً، فيتجسس على كل البيانات والمعلومات المتاحة على المنصة ويغذي بها السارقين.
وصُمم البرنامج الخبيث لجمع مجموعة واسعة من البيانات الحساسة، بينها الملفات والمستندات وبيانات المتصفح مثل ملفات تعريف الارتباط والإشارات المرجعية وبيانات الاعتماد المحفوظة. ويمكنه أيضاً التقاط ضغطات المفاتيح وأخذ لقطات شاشة وتسجيل المدخلات من الميكروفون وكاميرا الويب واستخراج رسائل البريد الإلكتروني والرسائل من منصات الاتصال الشهيرة.
ودعت لجنة حماية الصحفيين السلطات الإسرائيلية وغيرها من السلطات ذات الصلة إلى التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن إصابة أجهزة شبكة الجزيرة الإخبارية ببرامج تجسس سُلّمت عبر إعلانات إلكترونية، ودعت الحكومات والشركات إلى التحرك بشكل عاجل لضمان ألا تتيح الإعلانات المراقبة المستهدفة. وقال جوناثان روزن، نائب مدير الأبحاث في اللجنة الذي أعد تقريراً عن هذه التهديدات في آب/أغسطس: «إن بنية المراقبة الجماعية التي تدعم الإعلانات الإلكترونية تُستخدم لأغراض أخرى وتعرّض الصحفيين للخطر. إن نتائج سيتيزن لاب بأن أجهزة الجزيرة أُصيبت ببرامج تجسس سُلّمت عبر إعلانات مستهدفة تجعل مخاطر هذه المراقبة أكثر وضوحاً».