في فصل دراسي إسرائيلي، يجثو أطفال في السابعة من العمر خلف صناديق، ويطلقون رصاصات بلاستيكية من بنادق هوائية. هذا ليس لعباً، بل خطوة أولى لإعداد الأطفال للخدمة العسكرية قبل سنوات من التجنيد الإجباري في إسرائيل.
تعمل عشرات مراكز التدريب ذات الطابع العسكري علناً في أنحاء إسرائيل وتروّج برامجها عبر وسائل التواصل. يشمل التدريب مهارات قتالية، التعامل مع السلاح والانضباط العسكري، ويستهدف الأطفال من سن السابعة إلى جانب المراهقين والجنود والنساء. الهدف المُعلن واضح: إعداد المشاركين للخدمة في الجيش الإسرائيلي.
يتدرب الأطفال بأسلحة بلاستيكية تحاكي واقع القتال، ويتعلمون التحركات التكتيكية، التنسيق ضمن فرق، والتعامل مع مشاهد العنف. وتتضمن البرامج زيارات لمواقع عسكرية للقاء الجنود ومتابعة العمليات الحية، مما يربط القُصَّر بحياة الجيش قبل التجنيد.
في إعلان لأحد مراكز التدريب، يظهر جندي ومدرّب يجلس وسط أنقاض في خان يونس، غزة، مستخدماً أثاثاً وفنجاناً من منزلاً فلسطينياً مدمرًا، بينما يبقى مصير سكان المنزل مجهولاً. يوضح المشهد كيف تُطبّع هذه البرامج العنف.
جادنا: المدارس كمراكز تمهيد عسكري
يوضح د. شير هيڤر، عالم السياسة الإسرائيلي الذي تخلى لاحقاً عن جنسيته، لشبكة قدس الإخبارية أن برامج التدريب العسكري للشباب تنسق مع وزارتي الدفاع والتعليم، حيث يزور جنود وضباط المدارس ويتحدثون إلى طلاب بسن 15 عاماً وما فوق. تتفاوت مدة البرامج بين يوم واحد وعدة أشهر.
أحد هذه البرامج هو “اللياقة القتالية جادنا”، الذي يوفر تدريباً بدنياً مجانيًا لتحضير الطلاب للأدوار القتالية، ويُقال للمشاركين إن الأداء الجيد يزيد فرصة الانضمام للوحدات النخبوية. يُستخدم في بعض البرامج أسلحة حقيقية إلى جانب المحاكاة. الهدف الأساسي هو تهيئة الأطفال اليهود للخدمة العسكرية، دون إشراك المجتمعات الأخرى.
تشمل برامج أخرى تدريب المراهقين على أدوار تقنية بوحدات مثل الهندسة القتالية، الاستخبارات، والإلكترونيات. يعمل القُصَّر بجانب الجنود وشركات الأسلحة لصيانة طائرات بدون طيار، وحساب مسارات الذخيرة، وحل مشكلات عملياتية. وبهذا يُستخدم الأطفال عملياً قبل بلوغ 18 عاماً، ما يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية بحسب د. هيڤر.
يشارك نحو 19,000 طفل ومراهق سنوياً في برامج جادنا، حسب إحصاءات رسمية. كما يلتحق بين 4,500 و5,800 ببرامج أكاديمية تحضيرية للخدمة (مخينوت) تستمر عاماً، ويشترك حوالي 41,000 طالب في نشاطات مدرسية أوسع للتحضير العسكري سنوياً.
تتضمن بعض مشاريع جادنا تدريبات على الأسلحة النارية كوسيلة تحفيز. ويشير د. هيڤر إلى برنامج خاص تابع لشرطة الحدود (ماچاف) يدرّب القُصَّر على أنشطة شبه عسكرية مثل رصد العمّال الفلسطينيين غير الحاملين لتصاريح، وتبليغ الجنود البالغين. ورغم أن هؤلاء القُصَّر غير مسلحين، إلا أنهم يشاركون فعلياً في أنشطة مرتبطة بالاحتلال وذات طابع عسكري.
البرنامج / الفئة
أرقام سنوية مقدّرة / الميزانية
المصادر
مشاركو جادنا من الشباب: ~19,000 سنوياً – ويكيبيديا
الأكاديميات العسكرية التمهيدية (مخينوت): ~60–62 برنامج – جيروزاليم بوست
المسجلون في المخينوت: بين 4,500–5,800 – تايمز أوف إسرائيل
مشاركو النشاطات الأوسع: ~41,000 – وزارة الدفاع الإسرائيلية
الفئة العمرية (جادنا): أعمار بين 15–17 – يديعوت أحرونوت
الفئة العمرية (مخينوت): بعد الثانوية (~18 فما فوق) – Mechinot.org.il
ميزانية المخيناه لعام 2025 (وزارة الدفاع): ~₪160 مليون – بوابة الميزانية الإسرائيلية
يشدد هيڤر على أن الجيش يشرف على المناهج ويعتمد المدرّبين، لكن منظمات خاصة—غالباً دينية أو يمينية أو من المستوطنين—تلعب دوراً محورياً في صوغ الأيديولوجيا والقيم خلال التدريب. بعض المراكز تستضيف متطوعين أجانب يستعدون للالتحاق بالجيش الإسرائيلي.
تتفاوت مدة البرامج التحضيرية. منها القصيرة مثل “يوم الفروع” الذي يعرض وحدات الجيش المختلفة في يوم واحد، ومنها الطويلة التي تمتد لشهور أو عام دراسي كامل، خصوصاً تلك الموجهة للوحدات التقنية أو النخبوية مثل “طلبيوت” أو “8200”. خلالها يتعرف الأطفال على بنية الوحدات ويطوّرون مهارات تتماشى مع أدوارهم المستقبلية.
الأثر النفسي والاجتماعي
يحذّر هيڤر من أن العسكرة المبكرة تشكّل وعي الأطفال النفسي والاجتماعي. تُزرع فيهم قيم “الجيش الإسرائيلي” مثل الطاعة، الجاهزية القتالية، وفكرة “نحن مقابل الآخرين”. كما يقدم الحاخامات العسكريون شرحاً أيديولوجياً إلى جانب العسكري، ويدفعون الأطفال إلى تبني دافع شديد للخدمة، يُعرف بين الجنود بمصطلح “مسموم”، أي تقديم الأهداف العسكرية على الاعتبارات الأخلاقية والقانونية. أدّى هذا المنهج إلى تطبيع نمط العنف ضد الفلسطينيين الأصليين.
تؤثر هذه البرمجة على المجتمع بأسره. فالجنود المعرضون لهذه البرامج منذ الصغر أكثر ميلاً لتنفيذ الأوامر دون اعتراض، بما في ذلك تلك المرتبطة بالعنف أو الاحتلال. يرى هيڤر أن العواقب تمتد خارج الجيش، وتساهم في ارتفاع العنف الأسري وتقبّل العدوان. في عام 2025، شهدت إسرائيل أكبر عدد نساء قُتلن في تاريخها، وترى بعض المنظمات رابطة بين هذا الواقع وتطبيع العنف من خلال العسكرة.
جيش من أطفال المستوطنين
لا تقتصر العسكرة على مراكز التدريب. يكشف تحقيق لصحيفة هآرتس أن المستوطنين الإسرائيليين يستخدمون أطفالاً، بعضهم لا يتعدى 12 عاماً، لمضايقة التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية. يصل الأطفال سيراً أو على الجرارات أو المركبات. يخرّبون الممتلكات، يهددون السكان، يقتحمون المناطق السكنية بالماشية، ويتلفون البنية التحتية للمياه. ثم يتدخل البالغون المسلحون لتصعيد العنف، ما يدفع العائلات للنزوح القسري.
يُظهر التقرير تقسيم وضوح في الأدوار: يرهق الأطفال المجتمعات بالمضايقات المستمرة، بينما ينفذ الكبار هجمات أعنف. يصف النشطاء هؤلاء القاصرين بأنهم “جنود أطفال” ينفذون استراتيجية تهجير. نادراً ما تتدخل السلطات، ما يترك دائرة التهديد والعنف مستمرة.
تشكل هذه البرامج، والزيارات للثكنات، ومشاركة القُصَّر في العنف الاستيطاني، نظاماً متكاملاً يُدخل العسكرة منذ الطفولة. رغم استخدام أسلحة محاكاة بدل الأسلحة الحقيقية، إلا أن الهدف موحد: إعداد الأطفال ذهنياً وبدنياً وأيديولوجياً للجيش الإسرائيلي؛ الجيش الذي انتهك كل قانون إنساني.
وبالتكامل مع التعبئة المجتمعية، الرسائل الدينية، والمشاركة الفعلية في أنشطة الاحتلال، تُنمي هذه البرامج ثقافة يتصدر فيها العنف والاستعداد العسكري سنوات الطفولة ويشكّل المجتمع من جذوره.