شهد برنامج «60 دقيقة» الأمريكي الشهير، الذي تبثه شبكة «سي بي إس نيوز» (CBS News)، تراجعًا حادًا في نسب المشاهدة، بالتزامن مع تصاعد خلافات داخل الشبكة بشأن التغطية الإعلامية للحرب على قطاع غزة واعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.
وكشفت بيانات مؤسسة «نيلسن» المتخصصة في قياس نسب المشاهدة عن انخفاض عدد متابعي البرنامج من نحو 10.2 ملايين إلى 6.06 ملايين مشاهد خلال أسبوع واحد، بخسارة تجاوزت 4 ملايين مشاهد، وبنسبة تراجع قاربت 41%.
وبحسب مقال نشره الصحفي الاستقصائي أمجد تادرس في موقع «الجزيرة نت»، فإن جزءًا من هذا الانخفاض يعود إلى استفادة الحلقة السابقة من جمهور مباراة لكرة القدم الأمريكية سبقت بثها، إلا أن المؤشرات تكشف عن تراجع أوسع في شعبية البرنامج، الذي يعد أحد أبرز البرامج الاستقصائية في تاريخ التلفزيون الأمريكي.
وأظهرت البيانات انخفاض مشاهدة الحلقة الرابعة من الموسم الحالي بنسبة 12% مقارنة بالحلقة المماثلة من العام الماضي، لتسجل أدنى مستوى للحلقات الرابعة من مواسم البرنامج منذ ربع قرن على الأقل، فيما تراجعت مشاهدة الحلقة الافتتاحية للموسم بنسبة 21% مقارنة بالموسم السابق.
وتزامن تراجع نسب المشاهدة مع تقارير صحفية أمريكية تحدثت عن خلافات داخل شبكة «سي بي إس نيوز»، على خلفية تحقيق صحفي تناول اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية.
ووفقًا لهذه التقارير، نشب خلاف بين المراسلة المخضرمة ليزلي ستال ورئيسة تحرير الشبكة الجديدة باري وايس، بشأن تعديلات تحريرية على التحقيق، وسط مزاعم بأن تدخلات الإدارة تجاوزت المراجعة الصحفية المعتادة.
وأشارت بعض المصادر إلى أن الخلاف دفع ستال إلى التفكير في الاستقالة، وهو ما نفته الشبكة بشدة، مؤكدة أن التحقيق خضع لتعديلات أقل من معظم تقارير البرنامج، وأنه بُث في موعده المحدد.
ولم تقتصر الخلافات على تغطية أحداث الضفة الغربية، إذ كشفت تقارير عن توترات أخرى داخل الشبكة بسبب اعتراض الإدارة على إدراج أعداد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة ضمن تقرير أعدته المراسلة هولي ويليامز بمناسبة ذكرى السابع من أكتوبر.
وبحسب ما أورده تادرس، فقد حذرت مسؤولة الأخبار الخارجية في الشبكة، شايندي رايس، خلال اجتماع مع الموظفين، من مخالفة التعليمات الإدارية، معتبرة أن عدم الامتثال لقرارات الإدارة قد يُصنف عصيانًا يستوجب إجراءات تصل إلى الفصل من العمل.
وأثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن استقلالية العمل الصحفي داخل المؤسسات الإعلامية الأمريكية، وحدود التدخل الإداري في معالجة القضايا السياسية الحساسة، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتأتي هذه الخلافات في ظل تغير ملحوظ في مواقف قطاعات من الرأي العام الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة «غالوب» في فبراير/شباط الماضي أن 41% من الأمريكيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 36% يتعاطفون مع الإسرائيليين، في تحول لافت سجل تقدم التعاطف مع الفلسطينيين للمرة الأولى، رغم وقوع الفارق ضمن هامش الخطأ الإحصائي.
ويرى تادرس أن هذا التحول قد يكون أحد العوامل التي دفعت إدارة الشبكة إلى بث التحقيق المتعلق باعتداءات المستوطنين، رغم الجدل الداخلي بشأن مضمونه، خشية أن يؤدي حجبه إلى تداعيات أكبر على مصداقيتها.
ويؤكد تادرس، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في العمل ببرنامج «60 دقيقة»، أن قوة البرنامج منذ تأسيسه عام 1968 ارتبطت باستقلالية صحفييه وقدرتهم على مساءلة أصحاب السلطة، وليس بالخضوع للمواقف السياسية للإدارة.
وحذر من أن التدخلات التحريرية القائمة على الاعتبارات السياسية قد تهدد الثقة التي بناها البرنامج على مدار ما يقارب ستة عقود.
وأشار إلى أن انخفاض نسب المشاهدة خلال أسبوع واحد لا يشكل دليلًا قاطعًا على أن الجمهور يعاقب البرنامج بسبب تغطيته أو خلافاته الداخلية، لكنه اعتبر أن الأزمة الأعمق تكمن في احتمال تآكل ثقة المشاهدين بالمؤسسات الإعلامية.
وتسلط هذه التطورات الضوء على التحديات التي تواجه الإعلام الأمريكي في تغطية القضية الفلسطينية، وسط تصاعد النقاش بشأن حرية الصحافة واستقلالية غرف الأخبار عن الضغوط السياسية والإدارية.