غزة

شتاء غزة.. معركة قاسية للبقاء في ظل الحرب والحصار

شتاء غزة.. معركة قاسية للبقاء في ظل الحرب والحصار

مع حلول الشتاء، يواجه أكثر من مليوني فلسطيني في غزة ظروفاً كارثية مع غرق خيام النازحين وانتشار الأمراض ونقص الغذاء والوقود، وسط حصار مشدد وتراجع المساعدات.

مع تباشير فصل الشتاء وسقوط قطرات الغيث على أرض أنهكها جيش الاحتلال الإسرائيلي بالإبادة الجماعية لأكثر من ثلاث سنوات، تقفز هواجس الخوف والقلق إلى رؤوس أهل غزة الصامدين حول ما سيفعلون وأين سيذهبون وكيف سيواجهون.

يُمثل الشتاء في غزة اختباراً قاسياً وتجدداً لمعاناة إنسانية تعجز الجبال عن حملها، حيث يتحول موسم الخير والبركة إلى معركة حقيقية للبقاء على قيد الحياة في ظل ظروف الحرب والنزوح المستمر، وواقع كارثي متفاقم هدفه الرئيس كان ولا يزال تهجير أهل غزة عن أرضهم، بفعل القتل والإرهاب والحصار وتدمير كل مقومات الحياة لتصبح غزة مكاناً لا يصلح للعيش.

الشتاء هنا يعني اقتلاع وغرق مئات آلاف خيام النازحين المصنوعة من القماش والبلاستيك التي لا تقوى على الصمود أمام الرياح الشديدة، تتسرب إليها الأمطار فتُغرق الأمتعة والأغطية البسيطة وتتحول مناطق الإيواء والمخيمات إلى برك من الوحل والطين، بل إن الخطر يطال حتى من اضُطر إلى الاحتماء بجدران منازل مدمرة آيلة للسقوط في أي لحظة.

شتاء غزة يعني البرد القارس فلا ملابس شتوية ثقيلة للنازحين، ولا أغطية أو وسائل تدفئة، فقد قطع الاحتلال إمدادات الكهرباء ومنع الوقود، وتجد الأطفال والمسنين والمرضى يرتجفون من البرد، وكثيرٌ منهم ماتوا بسببه.

ويعني الشتاء تفاقم الأزمات الصحية والأمراض، نتيجة تدمير البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي، ما أدى إلى اختلاط مياه الأمطار بالمياه العادمة في أزقة المخيمات، فيما يتسبب البرد والرطوبة الشديدة في انتشار الأمراض المعدية والتنفسية والجلدية، ونزلات البرد والالتهابات الرئوية وغيرها، أمام قطاع صحي مُنهار تماماً.

وللشتاء معاناةٌ أكثر في مشقة الحياة وتأمين قوت الأسرة، حيث تزداد صعوبة الحصول على طعام أو مياه نظيفة، نظراً لصعوبة الطهي وإشعال النار لإعداد الطعام أو حتى الدفء بسبب الرطوبة والبحث المُضني عن الحطب وندرة إمدادات الغاز ما يُضاعف الأعباء اليومية على كاهل العائلات، وسط حصار مشدد وصعوبة وصول المساعدات الإغاثية التي تراجعت لأكثر من النصف.

أضف إلى ذلك الضغط النفسي الشديد والشعور المستمر بالقلق بسبب حالة الترقب الدائم للتقلبات الجوية والعواصف، وهو ما يضع الوالدين تحت ضغط نفسي كبير لحماية أطفالهم من البرد والبلل والمرض.

المجتمع الدولي أمام اختبار جديد للقانون الدولي الذي وضعه دستوراً للبشرية، وللقيم الإنسانية التي صم آذاننا بالحديث عنها، ولمسار الحضارة وحقوق الإنسان التي يزعمها، والعالم مطالب بوقف العقاب الجماعي بحق أكثر من مليوني فلسطيني، وفرض الالتزام بالخطط الشاملة لوقف إطلاق النار، وتطبيق قرارات مجلس الأمن وإلزام الاحتلال بخارطة طريق تضمن إنهاء الحرب بشكل دائم وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار الشاملة، وفتح المعابر كافة بصورة مستدامة دون عوائق.

لا نريد تحركاً لإنقاذ أهل غزة بعد انهيار مبنى أو موت أطفال أو كارثة جديدة، إنما المطلوب تحركٌ فوريٌ عاجلٌ لتبديد مخاوف الناس، بمساعدتهم والتخفيف من معاناتهم على مسارات متعددة تشمل الدعم المالي، وإدخال قوافل إغاثية شتوية تشمل توفير وحدات سكنية مؤقتة بدلاً من الخيام المهترئة، وإرسال البطانيات والكسوة الشتوية والطرود الغذائية، والمواد التموينية والوقود ومشاريع المياه النظيفة والأدوية والمستلزمات الطبية وكشافات الإضاءة والبطاريات وغيرها، لاسيما في ظل تقليص عدد من المنظمات الدولية لمساعداتها.

وأمام هذا الواقع، يُطرح السؤال عن التدخل لتقديم الإغاثة التقليدية، لأن أمتنا والعالم أثبتا عجزهما عن وقف حرب الإبادة الجماعية المستمرة بصمت، ولا يريد كسر القيود السياسية والعسكرية والاقتصادية عن الإنسان في غزة وتوفير الحماية الفاعلة له.

ما الذي يمنع الدول التي انتفضت للوقوف إلى جانب الإنسان في أوكرانيا، وفتحت له السدود والحدود ووفرت له الأمن والأمان والمسكن والطعام والرعاية الصحية وفرضت له مساعدة مالية منتظمة، أن تقف إلى جانب المظلومين في غزة، أم أن كل ذلك ينتظر موافقة شرطي المنطقة "إسرائيل"؟

وماذا ينتظر العالم من أجل تطبيق قرارات محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنفاذ القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها الاحتلال في غزة؟

أيها الإنسان وأنت تجلس مع أفراد أسرتك تحتسي كوباً من الشاي في جو عائلي دافئ، تذكر أن أخاك الفلسطيني بلا مأوى، يرتجف من البرد، يعاني الجوع والعطش، تحاصره الأمطار والأمراض، لأن الشتاء في غزة لم يعد مجرد انخفاض في درجات الحرارة، بل أصبح تهديداً مباشراً لأبسط مقومات الحياة والكرامة الإنسانية.