لم يتوقف الاحتلال منذ أكثر من عام على عمليات توسيع الخط الأصفر، التي وصلت مؤخراً إلى أكثر من 65% من مساحة قطاع غزة، ويواصل من أجل ذلك الضغط على السكان بهدف إجبارهم على النزوح شرق القطاع. وبات واضحاً أن الاحتلال يسعى لخلق منطقة عازلة جديدة تمتد ما بين 500-1000 متر غرب الخط الأصفر، وينشئ ما بات يسمى «الخط البرتقالي»، ويريد تلك المنطقة خالية تماماً من السكان.
لجأ الاحتلال لأسلوب جديد في الآونة الأخيرة، يهدف إلى إخلاء مزيد من المناطق المحاذية للخط الأصفر، لاسيما جنوب وشمال القطاع. ويتمثل الأسلوب الجديد في إلقاء مسيرات صغيرة قنابل حارقة تجاه خيام للنازحين أقاموها على مقربة من «الخط الأصفر»، ما يتسبب باشتعالها، وبالتالي إجبار النازحين على إخلاء تلك المناطق، سواء ممن أحرقت خيامهم، أو ممن لم تحرق حيث يخشى الأخيرون أن يأتي الدور عليهم ويتم إحراق خيامهم.
وخلال الفترة الماضية جرى إحراق عشرات الخيام للنازحين على ما بها من حاجيات وطعام وملابس وأغطية، خاصة في حي المحطة وسط خان يونس، وحي الشجاعية شرق مدينة غزة.
وقالت وزارة الأشغال العامة والإسكان بغزة إن الاحتلال أقدم على جريمة وحشية جديدة حيث أحرقت طائرات مسيرة من نوع «كواد كابتر» في تمام الساعة الثامنة من مساء أول من أمس السبت، مخيم للنازحين بالكامل على مفترق الشجاعية. واستمرت النيران تلتهم خيام النازحين وممتلكاتهم البسيطة لعدة ساعات متواصلة حتى ما ساعات مبكرة من فجر أمس، في مشهد يعكس قمة الإجرام والسادية وانعدام أدنى مستويات الإنسانية.
ووفق الوزارة فقد أسفر هذا العدوان الهمجي عن تضرر وتشريد أكثر من 200 أسرة فلسطينية نازحة تضم في صفوفها أكثر من 800 نازح غالبيتهم العظمى من النساء والأطفال وكبار السن والمرضى. وأوضحت الوزارة أن إحراق الخيام أدى إلى خلق حالة شديدة من الهلع والخوف والترويع بين صفوف العائلات الآمنة ليجدوا أنفسهم مجدداً مشردين في العراء بلا مأوى أو بديل يقيهم قسوة الظروف في تكريس واضح لسياسة التهجير القسري والنزوح المستمر.
وحملت وزارة الأشغال بغزة الاحتلال «الإسرائيلي» والإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة والمباشرة عن استمرار مسار الإبادة الجماعية واستهداف خيام ومراكز إيواء النازحين حيث تُرتكب هذه الجرائم بغطاء سياسي وعسكري كامل وفي ظل صمت دولي غير مبرر.
المعطيات الميدانية تشير إلى عدم التزام واضح بما نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار، مع تقدم تدريجي نحو عمق القطاع، مما أفرز واقعاً جديداً بات يُشار إليه بـ«الخط البرتقالي»، في توصيف يعكس تمدداً إضافياً في نطاق السيطرة الفعلية على الأرض وإعادة تشكيل حدود الحركة داخل القطاع.
و«الخط البرتقالي»، هو مصطلح ميداني وسياسي يصف تمدداً عسكرياً إضافياً للجيش الإسرائيلي في عمق قطاع غزة، متجاوزاً حدود ما يُعرف بـ«الخط الأصفر». وكشفت تقارير دولية ومنظمات أممية عن توسيع إسرائيل سيطرتها على قطاع غزة عبر إنشاء ما يُعرف بـ«الخط البرتقالي»، ليُضاف إلى منظومة السيطرة العسكرية التي باتت تطوّق نحو 64% من مساحة القطاع.
وأكد مواطنون أن ما يُسمى «الخط البرتقالي» أصبح يمتد فعليا بمحاذاة طريق صلاح الدين، ما يعني سيطرة على أحد أهم الشرايين الحيوية في قطاع غزة، مستدلين بمشاهد نُشرت مؤخرا تُظهر تقديم الجيش الإسرائيلي «المربعات الصفراء» التي تحدد حدود ما يوصف بالمنطقة الصفراء في شمال المنطقة الوسطى، لتصبح ملاصقة تقريبا للطريق.
بينما أكد مواطنون يقطنون شرق ووسط القطاع إن ما يُسمى بـ«الخط الأصفر» لم يعد مجرد حدّ عسكري، بل تحوّل إلى أداة خنق كسكين على رقاب سكان القطاع، في ظل واقع يصفونه بأنه أقرب إلى «سجن كبير»، قائم على السيطرة الميدانية وتقييد الحركة داخل مساحات متقلصة.
ومع استمرار تبدل خرائط السيطرة، يكتسب «الخط البرتقالي» دلالة تتجاوز البعد الميداني، ليعكس واقع أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا في غزة، وحدود الحركة والوجود في مساحة تخضع لضغط إنساني وأمني متواصل. واعتبر ناشطون أن طرح «الخط البرتقالي» لا ينفصل عن مسار أوسع لتثبيت وقائع ميدانية جديدة على الأرض، بما قد يؤدي -بحسب تقديراتهم- إلى تكريس السيطرة على مساحات أوسع من القطاع تدريجيا، وتحويل النقاش من إنهاء الاحتلال إلى إدارة خطوطه المتقدمة.
وكشف تقرير لموقع «ميديا بارت» في فبراير/شباط الماضي عن إستراتيجية إسرائيلية جديدة تعتمد ما وُصف بـ«هندسة الألوان» لإعادة رسم حدود السيطرة في قطاع غزة، بما يُفضي -وفق التقرير- إلى تكريس احتلال طويل الأمد. ووفقا للتقرير، تسعى هذه الخطة إلى تحويل غزة إلى «منطقة خالية من السلاح» مع إنشاء آلية انتقالية للحكم بضمانات دولية وإقليمية، تحت إشراف مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر هيئة دولية جديدة تُعنى بمتابعة التنفيذ.
وحذر مركز غزة لحقوق الإنسان من تحريك الاحتلال الكتل الإسمنتية الصفراء باتجاه الغرب نحو الأحياء السكنية ومناطق إيواء النازحين في قطاع غزة، موضحاً أن هذه التحركات توسّع نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية وتقلّص المساحات المتاحة للسكان. وقال المركز إنه وثّق خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول تحركات للخط الأصفر في منطقة الشجاعية شرق مدينة غزة، ومحيط مخيم المغازي وسط القطاع، بالتزامن مع القصف وإطلاق النار واستهداف خيام النازحين.
وأوضح أن المساحة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلي أو تفرض قيودا مشددة على الوصول إليها تتجاوز 70% من مساحة القطاع، فيما لا تتعدى المساحة المتاحة للاستخدام السكني وإيواء النازحين، وفق تقديراته، نحو 15% من إجمالي المساحة. وأشار المركز إلى أن تحريك الخط الأصفر يدفع العائلات إلى النزوح المتكرر، ويحرم السكان من الوصول إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية ومصادر رزقهم، في وقت يعاني فيه القطاع نقصاً حاداً في المأوى والخدمات الأساسية، مع استمرار تعطّل جهود إعادة الإعمار.
وحذّر المركز من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول النزوح المتكرر إلى واقع دائم، مشيراً إلى أن النقل القسري للسكان المدنيين محظور بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، مع مراعاة الاستثناءات التي تحددها الاتفاقية.