سياسة

اعتقال بيتر ماندلسون بتهمة سوء السلوك في المنصب العام يثير ضجة في السياسة البريطانية

اعتقال بيتر ماندلسون بتهمة سوء السلوك في المنصب العام يثير ضجة في السياسة البريطانية

اعتقال بيتر ماندلسون في لندن بتهمة سوء السلوك في المنصب العام يسلط الضوء على تأثيره الكبير في حزب العمال البريطاني ودوره في السياسة، خصوصاً ارتباطه بإسرائيل ومشاركته في قضايا مثيرة للجدل أدت إلى سقوطه السياسي.

أثار اعتقال بيتر ماندلسون بتهمة سوء السلوك في المنصب العام صدمة في الساحة السياسية البريطانية. يُجري استجوابه في مركز شرطة بلندن، مما يطرح تساؤلات عن السلطة والنفوذ والمساءلة بين النخبة السياسية في المملكة المتحدة.

ماندلسون ليس سياسياً عادياً، فقد كان من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ حزب العمال الحديث. لعقود، صاغ الاستراتيجية والرسائل والتوجه، ودفع الحزب نحو اتجاه يميني مؤيد لإسرائيل. كما أسس شبكات قوية في الإعلام والمؤسسات والدوائر السياسية، وامتد نفوذه إلى لحظات حاسمة في تاريخ الحزب، منها الابتعاد عن الفترة اليسارية تحت قيادة جيريمي كوربين.

حين فاز كوربين بقيادة حزب العمال عام 2015، ظهر ماندلسون كمعارض صريح، معترفاً بأنه عمل علناً لتقويض قيادته، قائلاً في 2017 إنه ”يحاول تقويض جيريمي كوربين يومياً“، اعتراف نادر بمساعي التحريض داخل حزبه.

استغل ماندلسون وحلقة أصدقائه نفوذهم لتشكيل روايات حول قيادة كوربين، وطرحوا ادعاءات بأن الحزب واجه مشكلة معاداة السامية في عهده. في 2019، نُشر إعلان كامل الصفحة في الإعلام البريطاني يدين سجل كوربين في هذه القضية، ووقعه 67 من أقران حزب العمال بينهم ماندلسون الذي وصف القيادة بأنها ”فشلت في الاختبار“. سيطر الإعلان على العناوين وزاد الانقسامات داخل الحزب.

أدى هذا الحملة إلى تفكك الحزب، وتوسيع الانقسامات وثقة الأعضاء والناخبين تراجعت. في الانتخابات العامة 2019، مني حزب العمال بهزيمة تاريخية، وتخلى كوربين عن منصبه.

بعد رحيل كوربين، ساعد نفوذ ماندلسون في تمهيد الطريق لسير كير ستارمر كقائد جديد للحزب، حيث اعتمدت حملته على الابتعاد عن قيادة كوربين وإعادة تسمية الحزب كحزب صهيوني، عملي ووسطي. لعب ماندلسون وحلفاؤه أدواراً رئيسية في هذا التحول.

عندما فاز حزب العمال بالحكومة، عُين مورغان ماك سويني، المقرب من ماندلسون، رئيساً لهيئة موظفي رئيس الوزراء، وعُين ماندلسون نفسه سفيراً لبريطانيا في الولايات المتحدة في ديسمبر 2024، في منصب مرموق أشار إلى استمرارية أهميته السياسية.

سجل ماندلسون في السياسة الخارجية عزّزه كداعم قوي لإسرائيل. خلال إبادة 2024 في غزة، حيث استشهد مئات الآلاف من النساء والأطفال الفلسطينيين، تحدث في فعالية بمناسبة يوم استقلال إسرائيل أقامها السفارة الإسرائيلية، وأكد إيمانه بـ ”حق إسرائيل في الوجود والدفاع عن نفسها ضد من يريدون القضاء عليها اليوم“. زاد على ذلك بالقول إن ”الغالبية العظمى“ من حزب العمال تشاركه هذا الرأي. واصفاً الدعوات لتأييد وقف إطلاق النار في غزة بأنها ”سخيفة“، وأضاف: ”علينا هزيمة القتلة بدم بارد“.

توافقّت هذه التصريحات مع مواقف اعتبرها كثير من البريطانيين مسيئة وغير إنسانية، وزادت من التصور بأنه ليس مجرد داخل الحزب بل شخصية مرتبطة بمصالح أجنبية ونفوذ سياسي قوي.

شهد مسار ماندلسون الأخير سقوطاً درامياً بعد أربعين عاماً عمل خلالها في مناصب حكومية رفيعة. سبق وأن اضطر إلى الاستقالة مرتين إثر فضائح، لكن الأزمة الأخيرة بدأت مع الكشف عن ملفات مرتبطة بالمجرم المدان لدى الموساد جيفري إبستين.

أظهرت هذه الملفات أن اتصالات ماندلسون مع إبستين كانت أقرب وأوسع مما كان معروفاً سابقاً، حيث ألمحت بعض الرسائل إلى محاولات تدخل لصالح إبستين في قضايا قانونية سابقة، كما تلمّح أخرى إلى تبادل معلومات لفتت انتباه الشرطة لاحقاً.

كان الرد سريعاً، إذ استقال ماك سويني من منصبه، معترفاً بعلاقته المهنية والشخصية الوثيقة مع ماندلسون، وأُزيل ماندلسون من منصب السفير الأمريكي، وتعثرت شركته الاستشارية، جلوبال كونسيل، ودخلت مراحل الإدارة القانونية. والآن في أوائل 2026، يواجه ماندلسون اعتقالاً واستجواباً في لحظة نادرة ومثيرة لشخصية كانت في قلب حزبه والحياة العامة البريطانية.

اعتقال بيتر ماندلسون ليس مجرد خبر، بل لحظة تجمع بين المساءلة القانونية والتاريخ السياسي والحكم الحالي. بالنسبة لحزب العمال، يبرز جروح اللوبي الصهيوني التي لا تزال تؤثر في هويته، وللساحة السياسية البريطانية عموماً، يوضح مدى غرق إسرائيل في السياسة التي تحدد مصائر وأدوار على أعلى المستويات.