في أول أيام شهر رمضان المبارك، نادت مريم تلولي زوجها لتناول الإفطار: «يلا، محمود. الأذان قرب. تعالوا كلكم». لكنها أدركت حينها أنها تتوهم وتذكرت أن زوجها استشهد العام الماضي.
تفقدت أطفالها في خيمتهم المؤقتة بدير البلح وسط غزة ووجدتهم نيامًا بسلام مثل الملائكة. همست: «أشتاق إليك يا محمود» وهي تلمس ابنها أحمد.
كل رمضان، قبل بدء الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، كان محمود يستقبل الشهر المبارك بالفرح والتحضير: يزور المول لشراء الطعام واللوازم، يعلق زينة رمضان، يزور الأقارب، ويشتري ملابس جديدة للعائلة، من عبايات وجلابيات لصلاة التراويح في المسجد.
هذا العام هو أول رمضان تغيب فيه إحدى أفراد العائلة عند الإفطار، تاركة حزناً وخسارة، تتفاقم بسبب الحصار الإسرائيلي على المساعدات وهدنة هشّة يواصل الاحتلال خرقها.
صرحت مريم لشبكة قدس أن الاحتلال لم يستشهد زوجها فحسب، بل دمّر عمود قوتها الوحيد ودعمها في الحياة.
الوحدة والحسرة جراء الإبادة
قالت مريم: «عمود عائلتنا اختفى؛ لم يعد لي ولأطفالي من نعول عليه. يوم واحد بدون زوجي كأنه عام كامل، كيف لي أن أظل قوية؟»
لكن مريم ليست الوحيدة في حزنها.
في أنحاء غزة، آلاف النساء يحيين رمضان بلا أزواجهن، واضطررن لتحمل مسؤولية إعالة الأسرة في منطقة دمرتها الحرب طيلة شهور. ما كان وقت التجمع والصلاة والكرم تحول إلى ذكرى غياب.
منذ أكتوبر 2023، الحرب الإسرائيلية على غزة استشهد فيها أكثر من 72,000 فلسطيني حسب وزارة الصحة، مع وجود نساء وأطفال بين الضحايا بكثرة. إضافةً للذين استشهدوا، تفرقت عائلات كثيرة وتركوا وراءهم أرامل يكافحن للبقاء وأطفال يكبرون بلا آباء.
تقول مريم إن العائلة فقدت كل مصدر دخل منذ استشهاد زوجها.
كانت تتشارك المسؤوليات المنزلية والمالية معه وتتحمّل الآن وحدها عبء توفير الحاجات لأطفالها، تأمين الطعام، رعاية الأطفال المصابين بالصدمات، وإدارة الحياة اليومية بلا استقرار مالي.
ذكرت: «نعتمد على الوجبات الساخنة والمساعدات من المنظمات الإغاثية. أنتظر في الطوابير لساعات على حصة تكاد تكفي لشخص واحد ونحن ثلاثة. حتى بالصيام نعتمد على هذه المساعدات للبقاء.»
أضافت أن ابنها أحمد البالغ من العمر 14 عاماً يحن للأمور العادية التي يحظى بها الأطفال الآخرون لكنها لا تستطيع توفيرها.
قالت مريم: «هو محطّم، يحزن باستمرار، ويتألم لرؤية أطفال آخرين مع آبائهم.»
«لأطفال مثل أحمد، سيكون رمضان ذكرى للصمت على مائدة الإفطار، لا للزينة والحلويات والفرح.»
أوضحت: «لا مأوى لنا، لا ملجأ، ولا حتى مساعدات إنسانية منتظمة. فقدان زوجي لم يكن خسارة عادية بل كان كقطع شريان حياتنا.»
أفادت السلطات الصحية الفلسطينية أن أكثر من 16,000 امرأة أرملة، وأكثر من 44,000 طفل يتيم جراء الحرب الإسرائيلية على غزة.
قبل الإبادة، كانت الأرامل والأيتام يعتمدون على شبكة دعم صغيرة لكنها مهمة. مساعدات مالية محدودة حين توافرت ساعدت النساء على تجاوز فقدان الدخل. مبادرات محلية قدمت جلسات استشارة، ورش مهارات، وأنشطة مجتمعية.
لكن منذ أكتوبر 2023، عدة مؤسسات محلية ودولية كانت تقدم الدعم إما دمرت على يد الاحتلال أو أوقفت خدماتها بسبب الحرب.
مع استمرار غياب الهدنة، يستمر الحزن
بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في أكتوبر، لا تزال الأرامل عبر قطاع غزة يواجهن صعوبات يومية في تأمين الطعام والماء والمأوى لأطفالهن، بينما يفرض الاحتلال قيوداً على دخول المساعدات رغم شهر الصيام.
آية ماضي، أم تبلغ من العمر 30 عاماً ولديها ثلاثة أطفال، استشهد زوجها عام 2024. هذا رمضانها الأول كأرملة.
منذ استشهاده، تحملت بمفردها عبء تأمين سلامة أطفالها من القصف والجوع وعدم اليقين الذي يميز الحياة في غزة.
قالت لQNN: «كل صباح في رمضان أستيقظ وأسأل كيف سأبقي أولادي أحياء اليوم».
بالنسبة لآية، أصبح البقاء على قيد الحياة روتيناً لا ينتهي، حتى في الشهر الفضيل الذي كان رمزاً للرحمة والتآلف.
عند الفجر، قبل بدء صيامها، تجمع بقيع الخشب لإشعال نار صغيرة للطهي. تنتظر ساعات لملء عبوات الماء، ثم تقف مرة أخرى في طوابير طويلة أمام مطابخ مجتمع، على أمل الحصول على حصة صغيرة من الحساء أو الأرز. أحياناً تحمل طفلها الرضيع معها لأن الطفل يذعر إن تُرك في الخيمة.
اضطرت آية لبيع إحدى أغلى مقتنياتها، قطعة من الحلي التي أهدى زوجها إياها في زواجهما، لتوفير حاجات أطفالها.
قالت: «هذه القطعة ثمينة جداً بالنسبة لي ومليئة بالذكريات السعيدة، لكن لم أستطع ترك طفلتي الصغيرة تموت جوعاً. تحتاج للحليب والحفاظات.»
هذا رمضان، بدلاً من إعداد وجبات خاصة أو زيارة الأقارب، تقيس آية أيامها على أساس البقاء: تأمين الماء، العثور على الطعام، وفطر بسيطة بمفردها بالحصة المتواضعة التي تحصل عليها.
أردفت: «المعاناة تزداد. كنا نأمل أن تعيد الهدنة الحياة بعد سنوات من القتل والتجويع ولكن الواقع على الأرض عكس ذلك تماماً.»