صحة

ردود فعل العالم بين قرد صغير وأطفال أيتام في غزة

ردود فعل العالم بين قرد صغير وأطفال أيتام في غزة

تروي قصة أبوذ، طفل يبلغ من العمر أربع سنوات فقد والده في غارة إسرائيلية في غزة، ويقارن الفلسطينيون ردود فعل العالم تجاه قرد صغير في اليابان مع تجاهلهم لأطفال غزة الأيتام الذين يعانون من الصدمات النفسية جراء العدوان الإسرائيلي.

كل ليلة منذ أكتوبر 2024، يجلس أبوذ مهجز، البالغ من العمر أربع سنوات، في خيمة جده مع والدته ويسأل نفس السؤال: “أين والدي؟”. في البداية كانت والدته تقول له إن والده ذهب إلى العمل وسيعود قريباً، لكنه بدأ يسمع من الأقارب والأصدقاء عبارات مثل “يا للطفل المسكين، كيف سينسى والده؟” و”رحم الله والدك”. في إحدى المرات أصر أن يعرف الحقيقة، فأخبرته والدته أنه ذهب إلى السماء، ربما سيعود أو ربما يذهبون إليه. لم يكن فاهمًا جيدًا، وعيناه كانت تملآن بالدموع والارتباك، فقد كان مرتبطًا بأبيه كثيرًا، ينام بجانبه كل ليلة ولا يأكل إلا بوجوده. كانت والدته تقول إن ألمه يزداد عندما يرى أطفال الحي مع آبائهم أو يسمعهم يتحدثون عن أبيهم. كان يطلب من والدته أن تسمح لأبيه بشراء سيارة ثلاثية العجلات له، ويصر على مكالمته عبر الهاتف لكي “يعود إلى المنزل الآن”.

استشهد والد أبيذ في غارة إسرائيلية بعد أن أُجبرت العائلة على النزوح من منزلهم في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة. ذهب ليحضر لهم الماء والطعام لكنه لم يعد، وعثر الأصدقاء على جثته في الشارع وقالوا لهم “إسرائيل قتلته”. في الجانب الآخر من العالم، جذب قرد صغير في اليابان اهتماماً عالمياً بعد نشر فيديوهات تظهر تعرضه للتنمر ورفض أمه له. اسمه بانش، وهو ماكاك ياباني ولد في يوليو الماضي وحديقة حيوانات إيشكاوا، وقد منحه الأطباء لعبة محشوة لتعزيته بعد أن هجرت أمه. وثّق الفيديوهات ظهر بانش وهو يطرد من قبل القرود الأكبر سنًا ويتمسّك بالدمية أثناء مضايقته.

قال مالك، طفل فلسطيني من غزة، إنه يتمنى أن يهتم العالم بأطفال فلسطين كما يهتمون بالقرد بانش. ندد الفلسطينيون ومنظمات مناهضة الإبادة الجماعية عبر منصات التواصل الاجتماعي بتفاوت ردود الفعل العالمية تجاه معاناة قرد صغير وتجاهلهم مأساة أطفال غزة ويتامى الحرب الإسرائيلية. بحسب وكالة الأمم المتحدة لحماية الطفل اليونيسف وإحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية في صدر سبتمبر، فقد فقد 2596 طفلًا والديهما، بينما فقد 53,724 منهم أحد الوالدين منذ بداية العدوان الإسرائيلي.

وصف الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء هذا الوضع بـ”أكبر أزمة أيتام في التاريخ الحديث”. يعاني أبوذ من صدمة نفسية حادة، يحدق بصمت في الجدران ويعاني من صعوبة في النوم والتركيز، وينسى المعلومات بسرعة ولا يتذكر الأحداث حتى التي حدثت قبل لحظات فقط، حسبما قالت والدته لأخبار قدس. العدوان الإسرائيلي المستمر منذ عامين على غزة، إضافة إلى الحصار الطويل، تسبب في معاناة نفسية لا يمكن تقديرها للأطفال في غزة، بمن فيهم من لم يفقدوا عائلاتهم. تعبر أماني عن خوف الأطفال وغضبهم وبكاءهم المستمر كدليل على حجم المعاناة التي يعجز حتى الكبار عن تحملها.

قالت الدكتورة داليا طلعاء، طبيبة نفسية من غزة، إن الصحة النفسية للأطفال في غزة دمرت بالكامل بعد عامين من العدوان الإسرائيلي. وأوضحت أن الأطفال كانوا يعانون قبل ذلك من سوء صحة نفسية بسبب الهجمات المتكررة والحصار والقيود على الحركة والخدمات. الآن، يظهر تدهور حاد بصحتهم النفسية مع مخاوف شديدة وقلق واضطرابات في الأكل والتبول الليلي والتيقظ المفرط واضطرابات النوم وسلوكيات عدوانية.

وصفت دعاء سعيد، أم لثلاثة أطفال، أن أطفال غزة شهدوا كل شيء من القصف والوفيات والجوع، وعليه يستطيع طفلها التمييز بين أنواع القنابل التي تسقط. وأوضح جيسون لي، مدير منظمة أنقذوا الطفولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أنه من غير المقبول أن يواجه أي طفل تلك الرعب، حيث يهربون من القنابل وسط الأنقاض والجثث ويضطرون للنوم في الهواء الطلق بدون طعام أو ماء نظيف.

قالت منظمة الصحة العالمية إن أطفال غزة يعانون من أعراض صدمة مثل اضطرابات عاطفية، انسحاب اجتماعي، حزن، وتدهور أمراض مزمنة، بسبب النزوح، فقدان العائلة، الإصابات الجسدية، ونقص الرعاية النفسية بسبب العدوان. في يونيو 2024، قدّرت اليونيسف أن ما يقرب من جميع أطفال غزة البالغ عددهم 1.2 مليون بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي.

ويبقى السؤال: “أين والدي؟”