رياضة

هلال رمضان هذا العام يطل على غزة المختلفة تمامًا عن سابقاتها

هلال رمضان هذا العام يطل على غزة المختلفة تمامًا عن سابقاتها

يستقبل أهل غزة رمضان هذا العام تحت ظروف استثنائية، بعد عامين من القصف والحصار الذي أودى بحياة العديد منهم ودمر منازلهم ومساجدهم، بينما يحاول الأطفال عبر واقع افتراضي استعادة لحظات الفرح والطمأنينة في ظل استمرار المعاناة.

ارتفع هلال رمضان هذا العام فوق غزة على مشهد لم تشهده رمضانات قبلها. تحت الهلال تمتد صفوف من الخيام، ومنازل تحولت إلى ركام، وعائلات تحمل عبء عامين من الإبادة الإسرائيلية المتواصلة.

للسنة الثالثة على التوالي، يستقبل أهل غزة شهر رمضان في ظروف استثنائية. قد مرت رمضانان تحت القصف والنيران، وسط خسائر ودمار وجوع وحصار. ما كان يأتي بفرحة وتوقعات أصبح يحمل ذكريات من الخوف والغياب.

رمضان هذا العام مختلف عن ذي قبل الإبادة، لكنه أقل قسوة من رمضانين سابقين بالنسبة لكثيرين.

مع وقف إطلاق نار هش، انخفضت أصوات القصف، ولم تعد هدير الطائرات الحربية يملأ الليالي، وعاد سكون كان يميز أمسيات رمضان. لكن المعاناة مستمرة. الحصار قائم، والاحتلال يسيطر على دخول الغذاء والمواد الأساسية.

بالنسبة للكثير من العائلات، ما زالت موائد الإفطار بسيطة وأحيانًا نادرة، انتظارًا لشاحنة إغاثة قد تصل أو تتأخر.

رمضان جاء أيضًا على غزة بقلوب مكسورة. آلاف العائلات فقدت منازلها، وآلاف آخرون استشهد أحبتهم الذين لن يجلسوا مرة أخرى على موائد الإفطار.

في العديد من البيوت، تبقى كرسي خالٍ، وصوت كان يجيب النداء للصلاة لم يعد حاضرًا.

لكن رغم كل شيء، يصر الناس على إتمام طقوس الشهر الفضيل. وسط الركام يرفعون أيديهم للدعاء، ويتجمعون لصلاة التراويح بذكريات ما زالت مشبعة بالخوف، ويعلمون أطفالهم أن رمضان هو عبادة وصبر وثبات مهما اشتدت المحن.

من “صلوا في بيوتكم” إلى “صلوا في مساجدكم”

قبل عامين، أطلقت مساجد غزة نداءً مؤلمًا وغير اعتيادي: “صلوا في بيوتكم”. لم يكن هذا النداء احترازًا فقط، بل كان انعكاسًا لواقع مرعب لم تكن فيه الطرق أو المساجد آمنة من الهجمات الإسرائيلية.

كانت العائلات تصلي في زوايا منازلها أو داخل الخيام المزدحمة. أصوات القصف تداخلت مع آيات القرآن، وكأن كل ركعة هي صلاة وداع للحياة التي عرفوها.

اليوم، تعيد مآذن غزة النداء ولكن بكلمات مختلفة: “صلوا في مساجدكم”. تحمل هذه العبارة المعنى الأعمق في غزة، تعبيرًا عن الحنين لصفوف المصلين المتقاربة، لأكتاف تلمس بعضها خلال التراويح، ولدموع تتساقط سويًا على آيات الرحمة والغفران.

الكثير من المساجد ما زالت متضررة أو هُدمت جزئيًا أو جُددت على عجل. لكن إعادة فتحها يمثل أكثر من مجرد العودة إلى المباني؛ إنه عودة مجتمع كان يجتهد الحرب في تفكيكه.

استهدفت إسرائيل ما يقرب من 1160 مسجدًا في غزة؛ إما دمرت جزئيًا أو كليًا، من إجمالي 1244 مسجدًا. دُمّرت 909 مساجد بالكامل لتصبح ركامًا، بينما تعرض 251 لمساحات كبيرة من الضرر الجزئي الذي يجعلها غير صالحة للاستخدام. هذا التدمير أثر مباشرة على الممارسات الدينية وقدرة إقامة الصلوات الجماعية.

بين الأمس واليوم، تغير النداء. لكن إيمان الناس لم يتغير.

مآذن غزة ما زالت قائمة شاهدة على أن هذه الأرض، رغم كل ما تحملته، ما تزال قادرة على رفع الأذان وجمع أهلها تحت سقف الدعاء.

طفولة مقطوعة

كان رمضان لأطفال غزة موسمًا للفوانيس والأزياء والحلويات، وصوت المسحراتي يجوب الشوارع قبل الفجر.

لكن خلال العامين الماضيين، قضى كثير من الأطفال رمضان في النزوح والخيام والخوف.

فقدوا مدارسهم، ممتلكاتهم، ومنازلها المليئة بالضحك.

تغيرت ليالي رمضان التي عرفوها، حيث لم تعد الفوانيس تُعلّق كثيرًا، واختفت زخارف كانت تزين الشوارع، وحلت صمت ثقيل بدل أصوات الألعاب التي كانت تصدح في الأزقة.

تشتتت العائلات في أنحاء غزة بعد إجلاء متكرر بين الشمال والجنوب، وفقد العديد من الأطفال أحبائهم الذين استشهدوا في الإبادة.

البيت صار أقل ازدحامًا، والطاولة أقل ضحكًا.

وبالنسبة للأطفال الذين كانوا ينتظرون رمضان احتفالًا، بات الشهر تذكرة مستمرة بالإبادة التي أعادت تشكيل طفولتهم.

هروب افتراضي من الحرب

في محاولة لاستعادة جزء صغير من هذه الفرحة المفقودة، أطلق مجموعة من المطورين في غزة مشروعاً اسمه “رمضان في الواقع الافتراضي”.

يهدف المشروع إلى منح الأطفال هروبًا مؤقتًا من الواقع المؤلم المحيط بهم.

قال المطور بكر سالم في تصريحات: “بدأ المشروع في فترة صعبة جدًا للأطفال في غزة. شهدنا الإبادة، والنزوح، والضغوط التي حرمتهم من فرحة وأمان وروحانية رمضان”.

يتخصص سالم وزملاؤه في برمجيات الواقع الافتراضي، ويريدون استخدام التكنولوجيا ليس فقط للترفيه، بل لتخفيف الضغط النفسي وتعزيز الاتصال الثقافي.

عبر نظارات الواقع الافتراضي، يستطيع الأطفال استكشاف بيئة رمضانية رقمية مليئة بالفوانيس والزخارف وصوت مدفع الإفطار وجلسات العائلة التي تعكس تقاليد قد لا يستطيع العديد منهم تجربتها في الواقع.

يوفر العالم الافتراضي مساحة هادئة تأملية تهدف لتقليل القلق مع الحفاظ على الهوية الثقافية والتقاليد المألوفة.

لكن مشاريع كهذه تواجه عقبات كبيرة في غزة. انقطاعات الكهرباء متكررة، والوصول إلى الإنترنت غير ثابت، وأجهزة الواقع الافتراضي نادرة بسبب قيود الاستيراد الإسرائيلية. كما أن المطورين يعيشون تحت ضغط نفسي هائل.

رغم التحديات، يؤكد سالم التزام الفريق قائلاً: “في غزة، الابتكار ليس مجرد تقنية، بل هو صمود وأمل ومنح الأطفال لحظات ضوء في أحلك الظروف”.

“الأمر الوحيد الذي كان ينقص هو والدي”

من بين الأطفال الذين جربوا البرنامج فتاة صغيرة اسمها آلاء محرّم، أصيبت خلال الهجمات الإسرائيلية على غزة.

بعد مشاهدة مشاهد رمضان عبر نظارة الواقع الافتراضي، قالت إنها شعرت بلحظة سعادة لم تعشها منذ زمن بعيد.

قالت: “شعرنا وكأننا عدنا إلى زمن ما قبل الإبادة، كان هناك فرح، وطمأنينة، واجتماعات عائلية”.

لكن اللحظة ذكرتها بما فقدته أيضًا. قالت بهدوء “الجلسة التي تجمعنا فيها كنا سعداء، وكانت تنقصها فقط شيء واحد: والدي”.

استشهد والدها خلال الإبادة.

وأوضحت آلاء أنه خلال مشاهدة التجربة نسيت لفترة أنها مصابة، وشعرت للأطفال من جديد، تعيش بسعادة بسيطة وبلا ألم.

“رمضان أجمل في الواقع الافتراضي”

عندما سُئلت الطفلة زينة التي تبلغ من العمر اثني عشر عاماً بعد تجربتها البرنامج: أي رمضان أجمل، في الواقع أو في الواقع الافتراضي؟ أَجابت على الفور: “في الواقع الافتراضي”.

أوضحت أن الفوانيس والزينة ومدفع الإفطار وجلسات العائلة التي شاهدتها الأشياء التي لم تعد موجودة في حياتها اليومية.

قالت: “الآن لا توجد زينة، ولا ألعاب، ولا شيء”.

لحظات فرح في واقع قاسٍ

يوفر البرنامج للأطفال فرصة لإحياء قطعة صغيرة من أجواء رمضان التي يفتقدونها.

لكن هذه اللحظات قصيرة، حيث لا تزيد مدة الجلسة على ثلاثين دقيقة، بعدها تُزال النظارة.

خارج العالم الافتراضي، يبقى واقع غزة كما هو. يعيش كثير من الأطفال في خيام، ويستيقظون مبكرًا للوقوف في طوابير الماء، ويمضون ساعات في المطابخ المجتمعية لوجبات الإفطار.

العالم الافتراضي يمنحهم ابتسامة عابرة، ولحظة قصيرة من الفرح في حياة شُكلّت بحروب إسرائيل.

لبرهة، تضيء الفوانيس ويعود الضحك، لكن عندما تنتهي الجلسة، يعود أطفال غزة إلى واقع يستمر فيه رمضان تحت ظل الخسارة والنزوح والبقاء.