صحة

أم ترفض الحداد على ابنها في غزة وتثبت الحقيقة بعد أشهر

أم ترفض الحداد على ابنها في غزة وتثبت الحقيقة بعد أشهر

في ظل الحرب في غزة، رفضت أم الحداد على ابنها رغم إصرار الجميع بأنه استشهد، لتثبت الحقيقة بعد شهور أنه على قيد الحياة، مخبراً إياهم الصدمة والأمل.

في غزة، الحزن سريع ولا جدال فيه. لا وقت للجدال مع الموت.

لكن هذه الأم رفضت.

هزت رأسها بهدوء وبإصرار، وامتنعت عن الحداد.

وبعد عدة أشهر… اتضح أنهم كانوا على حق في البداية.

خلال الحرب الأخيرة على غزة، عشنا ظروفاً لا تطاق. اختفت المواد الغذائية، وأصبحت أبسط الأشياء كالطحين والغاز نادرة. مثل العديد من العائلات في حيّنا، لم نجد بديلاً سوى الحطب للطهي. يومياً تحوم الطائرات المسيرة فوقنا، والخوف من الهجمات المفاجئة يرافق كل خطوة.

في أحد الأيام، خرج ابن جارنا مع بعض أصدقائه لجمع الحطب قرب منطقة قريبة من التواجد العسكري الإسرائيلي. كانوا يعلمون المخاطر، لكن الحاجة تدفع الناس للمخاطرة. بعد دقائق، صوت إطلاق النار كسر الصمت. عاد الأولاد مذعورين ومنهكين، لكن ابن جارنا لم يعد.

ظل الجيش في تلك المنطقة لمدة أسبوعين. لم نستطع الذهاب، ولا البحث، ولم نعلم هل استشهد؟ أم تم اعتقاله؟ كان الأمل والخوف يتصارعان بداخلنا.

عندما انسحب الجيش أخيراً، ذهبنا نحن الجيران للبحث. وجدنا جسداً متحللاً قرب الشجيرات. بجانبه ملابس وفي الجيب مفتاح منزل العائلة. افترض الجميع الأسوأ – أنه قُتل. المفتاح والملابس كانا دليلاً، والهمس كان: “إنه هو.”

الجسد كان غير قابل للتعرف عليه، وبقيت الأسنان فقط. أُحضرت والدته لترى من نعتقد أنه ابنها، لكنها هزت رأسها.

قالت بحزم: “هذه ليست أسنان ابني.”

لكن الجميع حاولوا مواساتها. “انظري، هذا معطفه… مفتاح بيته… إنه هو.” حتى زوجته وإخوته أصروا على ذلك.

أقيمت جنازة وخيم عزاء، جاء الناس لتقديم التعازي، لكن والدته بقيت صامتة، تحدق في البعيد وتكرر: “هذه ليست أسنانه.”

بعد ثلاثة أشهر، رن الهاتف. كان الصليب الأحمر. وقال بصوت واضح: “ابنك على قيد الحياة، محتجز في سجن إسرائيلي.”

البيت الذي كان يملؤه الحزن انفجر بدموع الفرح والدهشة. سقطت الأم على ركبتيها تشكر الله. عرفنا لاحقاً أن الجيش اعتقله وأجبره على خلع ملابسه وتركها بجانب جثة أخرى قبل نقله.

كان المفتاح سبب اعتقادنا أنه استشهد. لكن غرائز الأم وأسنان الحقيقية صدقوا الحقيقة.

هذه القصة ليست مجرد حكاية سمعتها، بل ذكرى عشتها. أذكر الصمت الذي خيم على حيّنا، دموع والدته، والصدمة التي تحولت إلى فرح عند معرفتنا بأنه حي.

اخترت أن أشارك هذه القصة لأنها تذكرني أنه حتى في أظلم اللحظات، يمكن لشك الأم أن يحمل نور الحقيقة.

ابنها كان حياً. غرائزها كانت صحيحة. لكن في غزة، الصواب لا يمحو الصدمة، ولا يعيد الوقت المسروق بالحزن.

بعض الحقائق يجب أن تُصرخ في الصمت، وأخرى تهمس بين الأسنان.

كانت على حق.

لكن في غزة، الصواب لا يعيد الابن.